ليس ثمة شك في أن النص الديني يحتل مكانة هامة في كل ديانات العالم، سماوية كانت أو وضعية، إذ يعد المحور الأساس، الذي تدور عليه الديانة، والعنصر الحيوي، الذي يضمن لها الاستمرار، خصوصًا بعد وفاة نبيها أو منشئها، وإذا تأملنا أية ديانة من ديانات العالم، وجدناها قائمة بالأساس على هذا النص الديني، الذي هو في نظر أصحابها وحي من الله أو إبداع من إبداعات منشئ الديانة، وكلما كان النص الديني قويًّا من الناحية المعرفية، ثابتًا من حيث السند، سليمًا من الناحية العلمية، كانت الديانة أكثر انتشارًا واعتناقًا من طرف البشر. وللنصوص الدينية في جميع الديانات الكبرى التي عرفها البشر، سلطة عقائدية وأخلاقية، لا يمكن لأي عالم اجتماعي أو لاهوتي جحودها على الإطلاق، فالنصوص الدينية المصرية والملاحم الأسطورية لسومر وآشور والكتب المقدسة الهندية والفارسية وأقوال المطلعين على الغيب، كلها مظاهر آمن الإنسان أنه من خلالها تلقى الرسالة الإلهية. ولا يختلف الأمر بالنسبة للأديان السماوية الثلاثة؛ اليهودية والمسيحية والإسلام، فلكل منها نصها الديني الذي تعتقد أنه وحي من الله، وأن بنيانها العقائدي والأخلاقي بني على أساس من هذا النص؛ فاليهود يدّعون أن ما هُم عليه من عقائد وعبادات وشعائر مبني على نصوص العهد القديم وأحكام التلمود، والمسيحيون يذهبون إلى أن عقائدهم وطقوسهم مستمدة من نصوص العهد القديم والعهد الجديد، أما المسلمون فلا يقبلون عقيدة ولا حكمًا إلا إذا ثبت أصله في القرآن الكريم ونصت عليه السنة النبوية الصحيحة.
وانطلاقًا من هذا تسعى هذه الدراسة إلى الوقوف على تاريخ وعقائد الكتاب المقدس، من خلال دراسة التاريخ النقدي للكتاب المقدس الذي عرفه الغرب بشكل فعلي منذ القرن السابع عشر، وذلك بالتعريف بأهم المناهج النقدية التي خضعت لها نصوص الكتاب المقدس، وعلى الخصوص منهجي النقد التاريخي والنقد الفيلولوجي، وما هي الإشكالات التي أفرزتها تطبيقات هذه المناهج بخصوص مضمون الوحي المسيحي، ومدى مصداقيته كنص إلهي يؤسس للعقائد والأخلاق. ويوجز الباحث دوافعه للإقدام على بحث هذا الموضوع في معرفة المناهج التي سلكها المسيحيون الغربيون في التعامل مع كتابهم المقدس، والتي تمكنوا بواسطتها إلى الوصول إلى حقيقة التحريف التي أعلن القرآن عنها منذ عدة قرون. ومعرفة هل أثرت هذه الدراسات على قائمة الكتب القانونية أو على معتقدات المسيحيين، أم أن هذه النتائج بقيت حبيسة رفوف المكتبات، ولم تستطع أن تترجم واقعيًّا في حياة المسيحيين. والتعرف على موقف الكنيسة من الدراسات النقدية، وخصوصًا بعد إعلان هذه الأخيرة عن نتائج مناقضة لتعاليم الكنيسة ومعتقداتها. وأخيرًا إبراز أن تطبيق مناهج النقد على الكتاب المقدس كان ضرورة فرضتها طبيعة الكتاب المقدس الأدبية وبنيته اللغوية، في زمن عرف نهضة فكرية ترفض التسليم بما خلفه الآباء بدعوى أنه مقدس دون التدليل على ذلك.
ما شاء الله! كتاب نقدي من الطراز الأول. بحث فيه المصنف تاريخ وعقائد الكتاب المقدس مسلطا الضوء على التحولات الكبرى التي حصلت خلال تاريخ اليهودية والمسيحية في عقائدهم ومحاولتهم المستمرة لإيجاد تفسير لهذه التغييرات. وقد ركز على الحركات المنشقة اتي نقدت "الكتاب المقدس" والعقائد البارزة (الصلب والفداء والتثليث) الموجودة ضمن الكتاب. ويظهر للقارئ الجهد الكبير الذي بذله الباحث في الاستفادة من مصادر إنجليزية وعربية وفرنسية ثم ترتيب المعلومات بشكل رائع. كتاب قل نظيره في المكتبة الإسلامية في مجال مقارنة الأديان خاصة موضوع نقد الكتاب المقدس من الناحيتين التاريخية والفيلولوجية.