قال بديع الزمان في المقامة القريضية: قلنا: فما تقول في طَرَفة؟ قال: هو ماءُ الأشعارِ وطينَتُها، وكنزُ القوافي ومدينتها، مات ولم تظهر أسرار دفائنه، ولم تُفتَح أغلاقُ خزائنه.
ديوان طرفة بن العبد البكري، بكر وائل، طرفة أشهر من أن أعرفكم به، الغلام القتيل كما سماه لبيد بن ربيعة، وذلك أن طرفة بن العبد هجا عمرو بن هند بقوله: ليت لنا مكان المَلْكِ عمرٍو رَغوثًا حولَ قُبّتنا تَخورُ من الزَمِراتِ أسبلَ قادماها وضرّتُها مُركّنَةٌ دَرورُ ولم يعلم عمرو بن هند بهذا الهجاء، فكان جالسًا يومًا فنظر إلى كشح عبد عمرو بن بشر فقال الملك: لقد أبصرَ طَرَفة حُسنَ كشحك حيث يقول: وأنّ له كشحًا إذا قام أهضما فغضب عبد عمرو وقتل: قد قال للملك أقبح من هذا. فقال عمرو بن هند: وما الذي قال؟ فسكت عمرو وندم على التعريض بطرفة، فلزّم عليه عمرو بن هند وأمّن له طرفة، فأسمعه الأبيات الرائية، فاكتمها الملك في نفسه، حتى أمِنَ طرفة، وقدم مع خاله المتلمس على عمرو بن هند في الحيرة ليقبضا صلتَه، فكتب لهم بها مُخادَعةً إلى عامله في البحرين، ظنّا أن في الكتاب الجائزة؛ ولم يكن فيه غير الأمر بقتلهما، ولكن المتلمس دفع الكتاب إلى أحد نصارى الحيرة فلما قرأه قال: ثكلت المتلمس أمه! فهم المتلمس محتواه، وأبى طرفة أن يُقرئ كتابه أحدًا ومضى إلى عامل الملك عمرو على البحرين وهَجَر، فلما قرأه قال: قد أمر بقتلك، فاهرب من يومك، فأبى طرفة وظنّ أن عامل البحرين حسده، فلما كان من الصبح أمر بحبسه، وأرسل إلى الملك أن ابعث لي من يقتله فلست قاتلَه بيدي، فبعث رجلًا تغلبيًا، وهنا لفتة من الملك عمرو بأن بعث عدوًا له، فقُتل طرفة وعمره ٢٦ سنة، وسمي الغلام القتيل، وقالت أخته ترثيه: عددنا له ستًا وعشرين حِجةً فلما توفّاها استوى سيدًا ضخمًا فُجِعنا به لما رجونا إيابهُ على خير حالٍ لا وليدًا ولا قَحْما أي لا صغير السن ولا شيخًا هرِمًا.
اقتباسات من الشرح: خذولٌ تراعي ربربًا بخميلةٍ تناولُ أطرافَ البرير وترتدي وإنّما خصّ الخذولَ لأنها فَزِعة وَلِهة على خشفِها، فتشرئبُّ وتمدّ عنقها، وهي مع ذلك منفردة فتبين محاسنها، ولو كانت في قطيعها لم يستبن ذلك منها.ص٩ سُئل التوّزي عن قول الحارث بن حلّزة: زعموا أن كلّ من ضَرَبَ العَيْرَ موالٍ لنا وأنّا الولاءُ فقال: العير: كلّ ما امتُطِيَ من مَطِيّة.ص١٢١