نادرة هي الكتب النقدية في الساحة المحلية التي تحمل أطروحات كاملة متسقة، وكتاب الدكتور خالد البلوشي "في القصيدة العمانية الحديث، نحو نقد ثقافي" أحدها بلا شك عندي. يعجن البلوشي أطروحته عجنًا قبل أن يقدم مأدبته للحذقة من القرّاء. فهو يدرس بتؤدة الكتابات السابقة كاشفًا جوانب الإضاءة والقتامة فيها، موضحًا الرؤى المتماسكة، ومفندًا الرؤى المتذبذبة، ليصل إلى نتيجةٍ مفادها غياب المنهجية الرصينة، وأحيانا غياب المنهجية تمامًا في الكتابات التي تناولت القصيدة العمانية الحديثة.
بعد تحليل منهجي لنصوص حداثية مختارة، يقدم الدكتور البلوشيالقصيدة العمانية الحديثة على أنها خطاب متماسك بنظامه وقوانين، فرداني قائمٌ على الاختلاف والتعارض، وذلك في مقابل القصيدة العمودية الممثلة للجماعة، ذات الخطاب المتآلف والمتعاضد. مع الاحتفاء بجمالية النص منتجًا فنيً، وفرادة أسلوب كل شاعر إلا أن الكاتب يفضح الشعر خطابًا ثقافيًا يكشف علاقته بالجماعة قبولًا ورفضً. وبذا يؤسس المؤلف لنقد ثقافي في عمان بشكل منهجي لأول مرة. إن أمتع ما في الكتاب -والكتاب دميعه ماتع- هي الفصول الخاصة بتحليل القصيدة الحدثة للكشف عن هويتها وجمالياتها ضمن مقولتي الاختلاف والتعارض. في تلك الفصول، يرقى التحليل إلى مرتبة الشعر، ويصير النقد -فعلًا- إبداعًا على إبداع.
د. محمد المحروقي مدير مركز الخليل بن أحمد الفراهيدي للدراسات العربية