الفتى عاشقٌ، والعشقُ نارٌ وحصار. أنَّى لقلبه البكر احتمال اضطرام الحنين، ومسالك اللهفة، ودروب الوجد. أنى للجدران الخضراء احتواء النار والدخان يغتال براعم الصبر. والوقت سيف يقتل في جريانه درب الوصول إلى الشاطئ البعيد. أشياؤه الصغيرة البريئة تحاول المقاومة. القفز فوق اللهب. إطفاء الحرائق المتناثرة فوق جدران الأوردة والشرايين. ربما رسالة يبث فيها لواعجه، أو ابتسامة تبل صدى الاشتياق، أو نظرة بين الجموع تستقر في فؤاده فتطمئن النبض أن القلب للقلب مهما زادت الحشود. الفتى يتلفه الصبر، ويأكله الأمل فلا يبقى منه غير حلم وحيد. يناضل كي يُبقي رأسه فوق الماء. ظنها العاشقان فرصة لعناقٍ خاطفٍ يروي الشوق، يبل ظمأ الجوارحِ الملتاعةِ، ويطفئ لظىً في القلوب مستعرٌ. طوقها بذراع واحدة، نصفها شوق والآخر لهفة.
منذ زمن لم تتملكني رغبة في أن أبحث عن النجمة السادسة لتقييم (رواية معاصرة) ولكن ومن الثلاثين صفحة الأولى لتلك الرواية تمنيت أن أنقر الخمس نجمات لتضئ سماء الجوودريدز بتحفة أدبية فريدة من نوعها، حقًا لا أدري من أين أبدأ الوصف والتوصيفّ هل من لغة الكاتب الوارفة كشجرةٍ لا نستطيع احصاء عدد أوراقها علي اختلاف درجاتها رغم سلاستها وبساطتها إلا أنها ممتلئة رصينة، التعبير الإنسيابي الذي يقطر صدقًا وإحساسًا، السرد الناعم ، الفصول المنفصلة المتصلة، الحبكة المتزنة بمثالية، أم القصة ذاتها! قصة الحياة! قصة النفس بكل تقلباتها وبكل ما وقر فيها من خيرٍ ومن شر! قصة الإنسان وصراعاته، قصة الذات وما وقر في ظلالها وما اختبأ في ظلام أركانها، وقد اجتمعت بها كل الصور! مجهود الكاتب لا يستهان به، وتعمقه وتمهله في خلق أطر تلك الرواية بادٍ وظاهر! تلك ليست برواية تكتب في شهورٍ قليلة! بل أنها تكتب في أعوام! رغم صغرها وعدد صفحاتها الذي يعتبر معقولًا ليس بكثيرٍ وليس بقليل، ورغم محاولتي التهامها في 24 ساعة لشد ما جذبتني القصة والحبكة ومسار الرواية المتوازي شديد الترابط في ذات الوقت، إلا أنني تمهلت في قرائتها لأستمتع بفلسفة الكاتب وبلغة تعبيره الراقية، وبذلك الكم المشحون من المشاعر الإنسانية الذي لمس قلبي وأفسح المجال لدموعي عند المرور علي تلك المواقف الإنسانية شديدة العمق. رغم أن للرواية أكثر من راوٍ إلا أنني لم أنزعج أبدًا لذلك، كذلك كان استحضار الماضي مع جميع شخصيات الرواية سلسًا غير مزعج علي الإطلاق رغم أن الرواية لا تسير في خطٍ مستقيم، انتقاء أبطال الرواية، وتوصيفهم دون إسهاب ولكن بشكل يجسد كل منهم وكأنه فرد نعرفه حق المعرفة..رواية رائعة حقًا، وتجربة تأخرت كثيرًا لأن أخوضها، أول قرائاتي للمبدع صبري حسن ولن تكون الأخيرة. - ياسمين الخولي-
https://www.facebook.com/gamal.alisla... ريفيو رواية : ستون دقيقة قبل منتصف الموت الكاتب / صبري حسن الناشر / دار غراب للنشر و التوزيع Hassan Ghorab الطبعة / الأولى سنة النشر / 2016 م ملحمة انسانية مكونة من 210 صفحات ، و سيل جارف من الأحاسيس ينبثق من غياهب النفس البشرية ، يتعطل قطار مترو الأنفاق بين محطتي السادات و الأوبرا نتيجة انهيار جزء من النفق و تسرب مياه النيل إلى الداخل ، لتتسرب شخصيات العمل الروائي رويدا رويدا في دفقات متتابعة تجبرك على الانتباه كنغمات بيتهوفن التي لا تمتلك ذرة من الهدوء و أنت تنصت لعزفها ، على غرار تعطل الأسانسير في فيلم بين السماء و الأرض ، أو غرق التيتانيك في الفيلم الشهير ، تجتمع نماذج بشرية شديدة التباين في مكان واحد ، لتظهر المعادن الكامنة في كل نفس و التي يصر صاحبها على إخفائها طوال الوقت خشية المتلصصين ، فمن زينب القروية التي أبهرتني بوفائها للراحل (غندور) إلى بطة و ضبش و حمكشة اللصوص و الصراع المحتدم بين اغتنام المأساة لتكوين ثروة في دقائق أو التوبة و الخروج من مستنقع الحرام ، مرورا بأحمد حجاب المناضل بانقاذ الطفل ، و زوجته التي تنتابها الهواجس بين الفخر ببطولة زوجها و شكها أن يكون الطفل ابنه من أخرى ، و ليس انتهاء ب حسن المُريد و المُراد في نفس الوقت ، وصولا إلى عباس ، الساعي الفقير و الذي أنقذ (جثة) الباشا و لم يتركه خلفه ، لينتهي صنيعة بتراجيديا مؤلمة تنسب كل البطولات للراحل و رجاله الهاربين من الموت ، و بين الصفحات قبسات من حياة الأولياء و (المتوكلين) بنغمة صوفية محببة للنفس . اللغة يغلب عليها السرد ، راقية إلى أبعد الحدود ، تتحول في بعض المقاطع إلى سيمفونية عذبة من الكلمات المقفاة تخبرنا عن ميل الكاتب بشدة نحو الشعر خاصة في وصف اللحظات الصوفية بين سعيد و عبد القادر أو بين حسن و شيخه الغائب المنتظر . تجربة راقية سُطّرت بأنامل محترفة لم تكتفي بايصال رسالة أو امتاع القاريء فحسب بل حولت الكلمات إلى صوت موسيقي يداعب أذن القاريء أثناء قراءتها ليعيد المقطع مثنى و ثلاث و رباع استجلاباً لأسراره . شكرا للجهد الراقي للكاتب و الذي نجح في ايصاله للقاريء ، و شكراً لدار النشر التي أمتعتنا بتلك التجارب الرائعة من أقلام تحمل الفكر و الرسالة ، مغلفة بمتعة لا حدود لها .