والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه وأشرف بريّته محمد وآله الطيبين الطاهرين..
واللعنة على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين..
وبعد..
فإن هذا البحث الذي نقدمه إلى القاري الكريم قد يكون مفيداً في إعطاء صورة متقاربة للملامح عن أهمية السيرة النبوية، ومعرفة الوسائل أو فقل العناصر الضرورية للبحث المفيد والعميق فيها.. مع إلماحة إلى ما يعترض الباحث من عقبات، وعن سبل تذليلها.
ويجد القارئ الكريم في هذا البحث أيضاً نماذج يسيرة للضوابط والمعايير، التي أريد لها أن تسهم في حفظ الإنحراف وترسيخه.
وفي مقام التدليل على ذلك، قدمنا مثالين اثنين هما:
1 ـ ما يزعمونه من أن النبي (ص) يجتهد، ويخطئ في الاجتهاد.
2 ـ والآخر، ما يزعمه البعض من أن الأنبياء عاجزون عن أي تصرف أو تأثير خارج نطاق الدعوة، وأن معجزاتهم مقصورة على مواقع التحدي، ولا يمكنهم أن يقوموا بأي عمل فيما عدا ذلك.
ومهما يكن من أمر، فقد يجد القارئ في هذا البحث ما يجدي وينفع. نسأل الله سبحانه أن يلهمنا الصواب والسداد في القول وفي العمل، إنه ولي قدير.
أهمية السيرة النبوية وحساسيتها:
إنه لا ريب في أن للتاريخ أهميته وتأثيره في حياة الشعوب والأمم. ولكن تاريخ نبينا الأكرم صلى الله عليه وآله وسلّم يبقى هو الأعظم أهميةً، والأقوى تأثيراً، خصوصاً بالنسبة للشعوب الإسلامية عبر العصور، على اختلاف أجناسها، ولغاتها، وانتماءاتها.
ويرجع ذلك إلى طبيعة العلاقة التي تربط الناس بالإسلام بما له من شمولية، ودقة متناهية، ثم بنبي الإسلام (ص)، الذي يمثل التجسيد الحي، والأسوة والقدوة للناس، في أدق الأمور وأقلها، وأعظمها خطراً وأجلها.
فالنبي (ص) الأسوة والقدوة، هو المربي، والمفتي، والقاضي، والولي، والقائد العسكري، وصاحب القرار السياسي، وما إلى ذلك.
فمن الطبيعي إذن، أن يكون لسيرته (ص) تأثير أساسي ومصيري في كل الواقع الذي يعيشه الناس، وفي مختلف جهات وجودهم: في الحياة السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والتربوية، وفي التكوين النفسي، والفكري للإنسان المسلم، وفي خصائص شخصيته وحالاتها، حتى على مستوى العواطف والمشاعر، ثم في طبيعة النظرة للأمور، وأسلوب التعاطي معها. بل في طموحات الإنسان ورغباته، وآماله القريبة والبعيدة منها على حد سواء.
ولأجل ذلك نقول:
إن أي شيء يسجله التاريخ لنا عن نبينا الأعظم صلى الله عليه وآله وسلم، قد تكون له أبعاد ودلالات مختلفة ومتفاوتة كماً وكيفاً، فقد نجده مرتبطاً ـ كلاً أو بعضاً ـ بالسلوك، وبالفقه، وبالموقف السياسي، وبالتعامل التربوي. وله دلالات اعتقادية، وتأثيرات عاطفية، وارتباط بالعلاقات الاجتماعية، وكذلك بتفسير القرآن، وبالرجال، والدراية، وباللغة، والأنساب، والجغرافيا، والطب، وما إلى ذلك.
وهذا ما يؤكد لنا صعوبة البحث في السيرة النبوية ومشقاته، على صعيد تحقيق النصوص وتمحيصها، ثم الاستفادة منها في الموقع المناسب، وبالطريقة المناسبة.
ويوضح أيضاً: أن البحث في السيرة النبوية هو الأشد حساسيةً وخطراً؛ لأن أي خطإس أو إفراط أو تفريط فيه سيترك آثاره على عقائد، وسياسيات، وسلوك الناس، ومجمل حياتهم، وشخصيتهم الفردية والاجتماعية.
المادة التاريخية في مصادرها:
وإن مما لا شك فيه هو أننا نملك ثروة تراثية هائلة، لم يتسنّ لأية أمة أن تملك لها من شموليتها ودقتها، وتوفر عناصر الصحة فيها. وهي تكفي ـ لو أعطيت حقها من الدراسة والتمحيص ـ لإعطاء صورة واقعية، متقاربة الملامح، ليس في الخطوط العامة وحسب، وإنما في كثير من التفاصيل الدقيقة، لحياة نبينا الاكرم صلى الله عليه وآله وسلم، وحتى بالنسبة للكثير من الأحداث التي مرت بالمسلمين، بل بالأنبياء (ع) السابقين أيضاً.
ويعتبر القرآن الكريم هو المصدر الأغنى والأصفى، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وهو التدوين الأول الصحيح لنصوص سيرة النبي الأكرم (ص)، ولغيرها من شؤون وقضايا. ثم هناك ثروة هائلة من النقول ـ وكثير منها يرتقي إلى درجة التواتر القطعي ـ التي تكفلت بالتاريخ لمختلف الموضوعات، خصوصاً ما يحكي لنا منها مواقفه (ص)، وأقواله، وأفعاله، ومناسكه، وعباداته، وسياساته، وغير ذلك من شؤون تنوعت واتّسعت لتستقطب كافة مناحي الحياة وجهاتها.
وهذه السعة والشمولية قد انتجت انتشار المادة التاريخية في مختلف الكتب والموسوعات، مثل: كتب العقائد، والرجال، والفقه، والأنساب، والتفسير، وعلوم القرآن، واللغة، والشعر، والأدب، والجغرافيا، وغير ذلك من علوم إنسانية إسلامية، كتبت بعد ظهور الإسلام، هذا فضلاً عن كتب التاريخ والسيرة.
نظرة عابرة على المادة التاريخية:
وكان ما نقله الناقلون خاضعاً في دقته وعمقه لمستويات ادراك، وتوجهات واهتمامات الناقلين، ونوع ثقافاتهم. وقد تلمس في بعضها درجة من السذاجة والسطحية تفقدها صلاحية الاستدلال بها، أو الاعتماد عليها في بلورة صورة واقعية، منسجمة المعالم عن الحدث الذي يراد التاريخ له.
أما كتب التاريخ؛ فعدا عن أنها قد جاءت انتقائية لأسباب مختلفة، فإنها قد اكتفت بعرض الروايات للوقائع، وفق تسلسل زمني، أو وفق هيكلية معينة، من دون أن تهتم بدوافع الحدث ومحفزاته القريبة، فضلاً عن ربطه بسائر المؤثرات والأسباب، أو الظروف والمناخات التي انتجته، أو أثرت فيه بصورة أو بأخرى، أما النتائج والآثار، فهي غائبة كلياً أو تكاد عن ذهن الراوي، أو المؤرّخ، إلا فيما شذ وندر، وحيث لا يجد أي حرج أو تثريب في الإشارة إلى شيء من ذلك.
كتب السيرة:
أما الذين كتبوا السيرة، فقد وقعوا في محذوري الإفراط والتفريط، حينما اهتم فريق منهم بالناحية الفضائلية، والمعجزات والكرامات، وكأنّ النبوة، متمحضة في الشأن الغيبي، أو أنها مجرد حالة شخصية فردية تعني الرسول الأكرم (ص) دون كل أحد سواه.
واهتم آخرون بالموقف السياسي، والحاكمية، والقرار، والدولة، أو بالحروب. فلم يكن ثمة نظرة شمولية بمستوى شمولية الأسوة والقدوة للنموذج الإسلامي الأول، والأكمل والامثل.
للبدء في دراسة شخصية قيادية لابد من التعمق في قراءتك للسيرة التاريخيّة لها. في هذا الكتيب يعطيك صورة مقاربة في ملامحها للسيرة النبوية، وكيفية وصولك لتلك الوسائل الضرورية للبحث المفيد. وكيفية تجاوز تلك العقبات لدى الباحث لكي يمكنه أن يعتمد على ما توصل إليه من بحث.
وقد تطرق السيد إلى كتب السيرة، وكما قال:( أما الذين كتبوا السيرة، فقد وقعوا في محذوري الإفراط والتفريط، حينما اهتم فريقٌ بالناحية الفضائلية، والمعجزات والكرامات، وكأن النبوة متمحضة في الشأن الغيبي، أو أنها مجرد حالة شخصية فردية تعني الرسول الأكرم(ص) دون كل أحد سواه. واهتم آخرون بالموقف السياسي، والحاكمية والقرار والدولة أو بالحروب، فلم يكن ثمة نظرة شمولية بستوى شمولية الأسوة والقدوة للنموذج الإسلامي الأول والأكمل والأمثل.) فحقيقةً نحتاج نظرة تشمل لكلا الجانبين، فلننظر لهذه الشخصية العظيمة بنظرة شاملة. ياسر علي العرب ٢٨/ أكتوبر/٢٠١٩
كتاب قيم برغم صفحاته القليلة، ينبغي على كل باحث قراءته قبل الخوض في غمار البحث العلمي في السيرة النبوية. الكتاب يعطي لمحة عن أهمية السيرة النبوية، وعناصر البحث العميق فيها، مع إلماحة إلى ما يعترض الباحث من عقبات. قدًّم الكتاب مثاليين لضوابط ومعايير ساهمت في تحريف السيرة النبوية.
وختم الكتاب بأن مايفرضه البحث العلمي النزيه والمنصف هو ضرورة المقارنة بين النصوص، ثم تلمس المبررات الموضوعية لاختيار أي واحد منها، والاستفادة الصحيحة منه في رسم الصورة الحقيقية للسيرة النبوية.
🌠 *اقتباسات* 🔸أن يكون من يتصدى للبحث في السيرة النبوية ذا خبرة واسعة وعلى درجة عالية من دقة النظر، والاحاطة بالاتجاهات السياسية والعقائدية وغيرها، مما كان في زمن الحدث، وله تأثير مباشر أو غير مباشر فيه. مع خبرة كافية وإشراف على شتى العلوم والمعارف الإسلامية التي يقترب منها النص، أو يلامس بعض جوانبها، أو يثير أيًا من كوامنها. ..