لا اعلم عدد الخرائط الطوبوغرافية التي نقشَتها بعض زخات المطر في صفحات الرواية، ولا عدد الزوارق الورقية التي تشكلت في جوانب الورقات لتُعلن رسوّها فوق شاطئ الأحداث..
أن تمتلك آلة زمنية تذهب بك في رحلة برية بحرية جوية تغوص بك في أعماق ذلك العلم المجهول؛ التاريخ - هو أمرٌ يتمناه كل شخص، بل إنك في بعض البلدان السعيدة ستكونُ ذا حظّ وافرٍ إن استطعت التنقل من مدينة إلى أخرى!
صرخة.. هي رواية مغربية بامتياز، إلا أنها منوعة بين الثقافات أيضا.. ولهذه الميزة حسناتها وسيئاتها، فكما أن المغربيّ هو الوحيد الذي سيفهم ما وراء سطورها ويفك طلاسمها، بل قد يضحك كثيرًا عندما يرى الكاتبَ يروي له الواقع المَعيش، فتخفت ضحكته لتحل محلها سخرية من الوضع القائم - إلا أن للعرب من أصقاع العالم حظهم في الرواية كذلك، وقد يبدو لهم الكتاب للمرة الأولى مستعصيًا، نظرًا للذوق العام اليوم، لكنه يحمل وراء سطوره جزءًا من الأمة لا يتجزأ، جرحٌ غائر نُسّيناه فجاءت "الصرخة" تداعب اذاننا به.. ولكن على الطريقة المغربية "بُخ وْكْوِي" ؛ فأخذتنا باللين تارة لتصف الجَمال والشجاعة والثبات والوفاء والدين، وبالشدة تارة أخرى لتأتي بالحروب والتعذيب والخيانة والظلم والإلحاد...
عائشة قنديشة، أو القدّيسة كما هو لقبها، تلك الأسطورة الغامضة التي كنا نرويها لبعضنا ثم ننفث عن أيماننا وشمائلنا مستعيذين بالله من ذكرها..
المرأة المستحيلة! المجاهدة الصابرة المؤمنة التي ما فتِئت تهب الغالي والنفيس لإعلاء راية الدين ونصرة الوطن!
تناقض..؟ نعم هو كذلك، وستجد مثل هذه المتناقضات والمتضادات كثيرا في صفحات الرواية، فما تملك الا ان تتعجب من اجتماعها بين دفّتي كتاب واحد!
في هذه الرواية، ستسمع الجواب في صمت المتحدِّث، في حضرة عائشة، في كيان سارة.. سوف تسمع الصراخ بالتأكيد، فقط إن ألقيت السمع وسرتَ على إيقاعات السطور واحدًا بعد الآخر، إلى الحاضر والماضي، بين المتضادّات جميعها لتعيش بالدقيقة سنوات!
وإن لم يكن- بعد كل ذلك- من الرواية لمسةُ ابداعٍ إلا إحياء مؤلفِها لروح العربية ومعانيها، فنِعمَ ما حصّلتَ منها!
وإني أردتُ إيجاز رأيي البسيط بعد قراءتي للرواية، فقسمته إلى ثلاثة أقسام: الأسلوب الروائي (ومعه الجانب اللغوي)، الجانب الفني، ثم العِبر والأفكار الضمنية.
فأما الأسلوب الروائي، فقد حقق فيه الكاتب نجاحًا كبيرا، وإن تخلله إسهابات في بضع مواضع لا تستدعي إطالة الوصف فيها أو التطرق لها وسط السياق. إلا أن تسلسل الأحداث يجعلك تظن نفسك أمام شاشة كبيرة تشاهد فيها وقائع مصورة على شاشة سينما، لا حروفًا على ورق، وهو ما أضفى على الرواية طابع الحداثة وإن كانت تروي عن الماضي.. فاجتماع المتضادين هنا -مرة اخرى- تعتبر ميزة روائية.
في الجانب اللغوي، استعمل الكاتب أساليب بلاغية جيدة وفي بعض الاحيان نادرة.. كما دمج بين سطورها كلمات عربية هُجِر استعمالها، بل تكاد في مجتمعنا أشبه بطلاسم سحرة الفودو! مع بيانه للمستعصي منها واستعماله في الوصف الملائم. و كما لا يسلم أي إنسان من الخطأ،فقد كان للكاتب هفوات لغوية كذلك، لم تتعدَّ كونها نصبا لمرفوع أو مدًا لمقصور، يعدون على أطراف الأصابع.. إضافة إلى افتقار الرواية الى تدقيق لغوي ومطبعي بسيط يجعل منها لوحة عربية متكاملة الأركان.
الجانب الفني.. لا حاجة لي بالاسهاب في هذه النقطة بالذات، فقد أعطيت ومضات عنها في السطور السابقة، إلا أنني أضيف إليها ما وجدته ذا لمسة فنية عميقة، ومن ذلك الشِّعر والقصائد، فقد جاء الاستدلال به في اكثر من موضع، واختتمت به الرواية. ومنه النقد الموضوعي لأحوال المجتمع، والسرد الجيد للفرق والأحزاب والتكتلات، مع ان هذا الاخير يدخل في الرأي الشخصي للكاتب، إضافة الى تطويع التاريخ لقوانين الرواية، مما جعل ترسيخه في ذهن القارئ اسهل.
العبر والقوانين الضمنية.. أترك استنتاجها للقارئ الكريم، فلست من محبّي "حرق الرواية".. الا ان من الجدير الإشارة لبعض الحيثيات فيه، وأولها أن وجهة نظر الكاتب في الاحزاب الاسلامية ودُعاتها يعبر بالمقام الاول عن رأيه، وليس معنى ذلك أنها خاطئة، بل تحتمل الخطأ، ولعلي اختلف معه في بعض المواقف وردود افعال الشخصيات وأوافقه في كثيرها، إضافة الى تلميحات ذكية لا تخلو من عبر.. لكنها كما سبق الذكر تظل وجهة نظر.
ثانيها أن في بعض العبر اساليب توصيل غريبة، فإنك إذا نظرت إلى سارة وموقفها من التطور مثلا، تتعجب من بعض المعلومات التي يصعب تصديقها لمن هم في حالها، ومع ذلك صدقتها هي بسهولة كبيرة وسرعة! حتى لو كانت الغاية والعبر من المعلومات صحيحة، وإن من الجيد-في نظري- لو كان تسلسل الإقناع في تلك الفقرة اكثر منطقية وإقناعًا.
ولذلك مثالٌ اخر لم تسعفني الذاكرة باسترجاعه.
و ختامًا، فقد أغلقت دفتَي رواية صرخة قبل أيام، بعد رحلة في ربوع وطني الذي اكتشفت اني اجهل عن تاريخه الكثير، لأجد نفسي أروي أحداثها للأهل وبعض الأقربين، وقد لقيت من الاطفال قبولا كبيرا لاحداثها، وما زالوا متشوقين لاروي لهم نهايتها..
اعطي الرواية تقييم : 4/5
وفق الله كاتبها وزاده من فضله، في انتظار الرواية التالية باذن الله.
#قراءة_في_رواية
هبة نجاعي