تكمن قيمة هذا الكتاب في طريقته التركيبية المتميزة التي سمحت بالتعامل مع معارف متنوعة وصهرها في بوتقة واحدة، من أجل إعطاء صورة متكاملة عن أحد كبار العلماء في تاريخ الإنسانية. يتعلق الأمر بمعارف خيميائية وفيزيائية ورياضية وفلكية ودينية أيضا، سعى مؤلف الكتاب أن يحدد الخيط الناظم بينها، من أجل فهم مسار هذا العالم الإنجليزي. والملاحظ أن جان بول أوفري اقترح قراءة شاملة لمنجزات نيوتن الذي لم يتخل أبدا عن انشغالاته الخيميائية، بالرغم من معالجته لقضايا علمية دقيقة،مثل حساب التفاضل (في الرياضيات) ومسألة الثقالة أو الجاذبية (في علم الفلك)، وقضايا الحركة وانتشار الضوء، وعلاقة الأجسام في ما بينها (في مجال الفيزياء )؛ هذا دون أن ننسى مواقفه الفلسفية الدينية، سواء في إطار الجمعية الملكية أو بوصفه أستاذ كرسي بكامبريدج.
لذلك، فإن أصالة الكتاب تتمثل في قدرة المؤلف على معالجة مختلف الجوانب المذكورة، عبر استثماره لنصوص نيوتن في المقام الأول وأيضا لأهم الكتابات حول مسار هذا العالم الفذ؛ وعبر توليف متميز لمعطيات الخيمياء والبصريات والهندسة والفيزياء الفلكية. وهو ما مكّن من تقديم صورة متكاملة ومثيرة عن عالم يظل حضوره الشبه أسطوري في الأذهان مقترنا بسقوط التفاحة على رأسه !
علاقة نيوتن بالخمياء والرياضيات كانت تعبر عنها مقولة ان نيوتن هو اخر الخميائين العظام وأول العلماء العظام الا ان الكاتب له رأي آخر وهو ان نيوتن لم يفقد شغفه بالخمياء حتي نهاية أيامه فرغم منجزاته العظيمة في الرياضيات والفزياء والفلك الا انه لم يتخل عن الفرن المعدني القديم الذي كان يجري عليه تجاربه لاستخلاص حجر الفلاسفة وتحويل المعادن الرخيصة الي ذهب تبعا للنظرية السائدة ان جميع العناصر تتركب من مكونات اصلية هي النار والهواء والتراب والماء فطالما ان جميع المواد تشترك في هذا الجوهر اذن يمكن تغير الاعراض للتحول العناصر الرخيصة الي ذهب
تتطرق الكاتب لصراعات نيوتن مع خصومه العلميين والدينيين وعن الانتماءات الغريبة التي كانت تقتصر علي النخبة فقط علي ما يبدو في تلك الفترة
وباستثناء فترة قصيرة من طفولة نيوتن لم يتحدث الكاتب عن حياته الشخصية الا نادرا ولقد كان هذا مخيب للآمال اذ اغرق الكتاب في التفاصيل العلمية والاثباتات الرياضية التي حاول الكاتب تبسيطها لكن لم تخل من صعوبة وعسر
إلي جانب عرض مسيرة العالم الكبير نيوتن العلمية فالكاتب كذلك أرخ بصورة غير مباشرة للحركة العلمية بكل اوربا في القرن السابع عشر واوائل القرن الثامن عشر حيث نشهد بدايات اكتشافات علمية محدودة وغاية في الدقة والتخصص قد لا تؤدي تلك الاكتشافات المحدودة بمفردها الي شئ ذي قيمة ولكن يأتي من يستغل تلك الاكتشافات ويضعها جنبا الي جنب ليصوغ نظرية علمية متينة تضع بصمتها علي تاريخ العلم
ولا يستثني من الثورة العلمية الرياضيات التي يظن انها علم جامد قد وضعت منذ الازل بل هو علم متجدد ولم ينشأ علم التفاضل الا في نهايات القرن السابع عشر وحتي علم الجبر قد تطور من خلال طرح اسئلة افتراضية ومحاولة الوصول لأقرب طريقة لحلها
"إذا أزلتم الحركة المنبثقة من المبادىء الفاعلة ، فلن يمكث سوى الشيء القليل بالطبيعة. فبدون هذه المبادىء، ستكون الكرة الأرضيّة والكواكب والمذنبات والشّمس مجرّد كتل عاطلة، باردة وجامدة ، ولن يكون هناك هدم ولا تكوّن ولا نمو نباتي ولا حياة على الأرض،كما لا تظلّ الكواكب والمذنبات في مداراتها" العلم الذي توصل اليه نيوتن ما هو الا طريقة لاثبات مباديء الخيمياء وتثبيتاً لمعتقداته الطهرانيّة الكالفينية المحرمة في أروقة جامعات بريطانيا آنذاك بل في انجلترا كلها . استطاع نيوتن تعاطي الخيمياء في جامعةكامبردج وأن يحصل على كرسي لوقا بعبقريته مع حرصه الشديد على إخفاء كل معتقداته وأن يستر خيميائه بأعمال وانجازات ترضى عنها الجمعية العلمية الملكية. تنّقل نيوتن بين كتب من سبقوه من عمالقة الفلسفة والرياضيات والهندسة والبصريات والخيمياء وقرأها مراراً وتكراراً و توصل لاستنتاجات أكثر دقّة من استنتاجاتهم وحاول تفسير كل ما عجزوا عن تفسيره . وكان يؤمن بأنّ الأقدمين قد توصلوا إلى الحقائق لكنّهم أخفوها خوفاً او لعلمهم بأن من يليهم لن يستطيعوا فهمها. تطرّق الكتاب للصراعات العلميّة والدينيّة بين عمالقة العلوم في القرن السابع عشر والكراهية العميقة بين نيوتن وروبرت هوك ( روبير هوك) واستخفاف نيوتن بقدرات المذكور و بأنه لا يرقى لمستوى العلماء الذين أسماهم بالعمالقة (كبلر، كوبرنيكوس ،بويل،مور) فكما جاء على لسانه " … ومن جهته ،إذا كنت قد رأيت أبعد من ذلك فلأنني وقفت على أكتاف العمالقة " و هنا يسخر نيوتن وبشكل صريح من هوك لانه صاحب جسم عليل لا يمكن أن يكون من العمالقة(باعتقاده) . كان نيوتن يعدّ نفسه رسولاً من الله-باسمه المستعار يهوه القديس الوحيد-( وهو جناس تصحيفي من اسمه باللاتينية ازاكوس نيوتونوس /Isaacus Neuutonus =ieoua sanctus unus )- ليكشف للعالم اسرار الكون التي اودعها الله له و خاصة بأنّه أمضى وقتاً وجهداً في دراسة الكتاب المقدس وعلم اللاّهوت مع محاولته لاستقراء اللّغة الرّمزيّة للكتاب المقدس و ربطها بعلم الخيمياء و علوم الفلسفة الطبيعية (الفيزياء). ونستطيع القول بأن (هوك )هو أول من سهّل الوصول إلى قانون الجاذبية من خلال دراسته لحركة البندول(النّواس) ، فعندها كتب رسالة إلى نيوتن تحدّث عن قانون(التربيع العكسيّ)الذي توصل اليه هوك من خلال قانون المرونة في حركة البندول. و يعد هذا الاكتشاف مفتاح الحل لتفسير المدار الاهليجي في قوانين كبلر وبالتالي التوصل وبذكاء لقانون الجاذبية أو قوة الجاذبية التي أطلق عليها نيوتن في البداية ( القوة المندفعة صوب المركز) برأيي لا نستطيع تنسيب كل تلك الاكتشافات لنيوتن وحده ولكن استطيع استعارة عبارته التي اوردها عن هوك بأنّ العلماء السابقين كانوا يملكون الحدس أما نيوتن فقد ملك البرهان لذلك الحدس لذلك كانت له الاحقية لنسب القانون لاسمه كما أقرّ !. الصّادم في هذا الكتاب بأنّ قوانين الفيزياء و الفلك والحركة والرياضيات قد انبثقت من علم وهميّ او عبثيّ ( الخيمياء) وبأنّ تلك الحقائق لم تكن إلاّ محاولة لإثبات ذلك العلم. فهل انتصرت الخيمياء حقاً؟