أنموذج واحد هو الذي برز أمامه أكثر من غيره من بين كل هؤلاء، استرد أنفاسه مُتكئًا بمرفقيه على كرسي الحلاق، ومن تحت قُمقُم القناع راح يسرح نظره في الظلام الذي وجد نفسه بداخله، بدأ العرق يَنُزُّ منه.. ينقضم من الداخل.. يلتهم نفسه بنفسه.. شحمة أذنه تبدو غضة وصلبه.. متجمدة شفاهه.. رؤوس تتخابط ببعض داخل رأسه.. عبسة الوجه التي تبقى من بعد بكاء طويل كان هذا وجهَهُ.. لم يشعر أحد من الموجودين في المحل أن هنالك عاصفة نائمة تحت القناع قال في ذات نفسه: اللعنة لازلت في العشرين من عمري وفي أواخر هذا الصيف أستقبل الواحد وعشرين وفعلت كل هذا؟! قال ذلك بعدما عرف أن ذكريات لم تحزم حقائبها وترحل بعيداً عنه، ظن أنه يستطيع توجيه إصبع اللوم إلى أحد بعينه، أي أحد، لكن الإصبع صار إثنين من ثلاثة وأربعة حتى نفذت الأصابع من يديه الإثنتين فأدرك أنه المجتمع، ثم التفّ إصبعه خارجاً عن سيطرته ليشير عليه وحده.
والله الصراحة كان مدهش، حتى ما تناقشنا كثير و الأدباء الأفاضل لما كنا نقراه. و الصراحة يعطيهم العافية اخوان و خوات القائمين على هذا الكتاب البارز و المدهش، ما قصروا.
قصيرة خفيفة ممتعة بالمعلومة والردود بين الشخصيات جعلتني أبتسم، كذلك الاستعارة جميلة غير مفرطة .
و كوني قارئ معلومة استمتعت جدا بمعرفة ما لم أتوقعه من قيمة ومقام المهنة في المجتمع الذي كما كشف أنه أكبر من مجرد ( حلاّق )، حيث عرج لتاريخ نشأة الحلاقة عبر الحضارات ثم أدواته المحدودة الأساسية ولاحقا تطورها والأدوات التي أضيفت بجانبها. ولا يقل أهمية تعريف ومصدر تسمية الصالون الثقافي.
وأيضا لا أخفي فضولي عما يجري داخل محلات الحلاقة الرجالية والتي من الواضح أنها تتشارك مع نظيرتها النسائية في الملامح الرئيسية في المهنية وعلاقة العميل الإنسانية وربما بل المؤكد كشف المستور خلف الأقنعة المتزينة أمام المرايا عادة. أخيرا أقول للمؤلف ... نعيماً .