خلفي كانت تتفتح الشقوق عن جهنم، وتضرب المواعيد للفزع. وأنا عاشقٌ في تمامه. كانت الأرض تجف؛ المياه تُمتصُّ بقوة لا مرئية من الأنهار والبحار والترع، تندفع إلى رحم الغيوم. رأيتُ الطوفان معكوسًا، والفُلكَ ينخلعُ إلى شجر ضخم. رأيتُ الشجر يصير نبتات تغوص في الأرض، والناس يجمعون البذور، ويسيرون بالظهور إلى البيوت. رأيتُ الليل، ثم المغرب يعقبه الضوء، والفجر بداية ليل. رأيتُ الخَلق يتكالبون أمام الفروج، ينسحب الواحد إلى داخل الأنثى، يُمتصُّ من رأسه إلى أصابع قدميه. رأيتُ بطونًا حُبلى تخبو، والأيُور تقف أمام العانات، تَمتصُ سائلها من المهابل. رأيتُ خيوطًا طويلةً من المني تخدش السماء، وخيوطًا تحفر في الأرض وتلتصق بالهياكل. رأيتُ الرَّجُل يتنقل بين إناث عدة ليسحب منيَّهُ، وأُنثى ترتبك أمام عدد من الرجال. رأيت الذُّوِيَّ يتسارع؛ الشيخ يصير امرأةً، المرأة تصير خيطَ مَنيٍّ مسحوب، والمنيُّ يصير غذاءً يندس في الأرض
عالم داخلي عاصِف ومُرهَق ومُرهِق! تدور الرواية في الداخل المعذّب، بلغة سريعة وإيقاع غاضب لا يهدأ إلا لماماً في بعض المقاطع نسيت ما الذي جاء بي إلى هنا؟ لكنني عدت إلى الحكاية مرّة تلو المرّة لأنهيها في ساعات قليلة، أكثر ما يميّز الرواية هو اللغة، تلاعب ودقّة وإحكام يليق بشاعر يكتُب روايته الأولى بالفعل.
هو جنون لأنه جنون، ومطبق لأنه أطبق علي وابتلعني كلية فلم أستطع ترك الكتاب من يدي حتى انتهيت منه في جلسة واحدة. لا فكرة لدي ولا تصور كيف تمكن الكاتب من السيطرة على كل ذلك الجنون، وصياغته في حكاية.
الحكاية غير مألوفة؛ أو لعلها مألوفة؟ الصياغة والسرد هما أبطال الحكاية بلا منازع، وقد كان تقييمي ليكون 4 نجمات كاملات، لولا الألفاظ المزعجة. ليس لأني امارس رقابة ما على الناتج الابداعي لأي شخص من منطلق قيمي الخاصة، ولكن شعوري أثناء القراءة بأنه كان يمكن الاستغناء عن/استبدال الألفاظ، جعلني أشعر بالانزعاج منها. ولكني برغم ذلك أنهيتها متقطعة الأنفاس، لمحاولتي اللحاق بكل هذا الجنون..
جنون مطبق فعلا كماتقول آيات، لكن الأجمل هو هذه التلميحات بالمآساة المتوارية خلف الإيقاع السريع والكلمات القوية الصادمة والخيال التام..هذه المآساة أثرت في كثيراً في النهاية، دمعت عيناي وأنا أتخيل حياة مثل هذه، كل شخص يحمل داخله إعصارات ما، إنفجارات وجنون وتوهان وهذيان وجنون مطبق، لكن لا أحد يمكنه وصفه بكل هذه البراعة.. في انتظار حفل التوقيع للمزيد من النقاش