قراءة في كتاب احميدة عياشي سنوات الشادلي-سيرة حقبة 1978 1992
صدر الكتاب عن منشورات دار سقراط الجزائرية سنة 2014 .
احميدة عياشي من الصحفيين الجزائريين القلائل الذين يكتبون بحرية ولهم مواقف جريئة ..في زمن ما كانت الصحافة الجزائرية بوجود احميدة عياشي وسعد بوعقبة وسليم بوفنادسة لها وزنا وقيمة ثابتة، كانت منشوراتهم و مقالاتهم تخلق لغطا وحوارات، اليوم نفتقد لمتعة قراءة المقالات المنشورة على الجرائد والأعمال الصحفية الجادة، بسبب كثرة المنابر الإعلامية، فأصبح من الممكن لأي شخص أن يؤسس قناة خاصة و ينشر باسم الصحافة،
لاحميدة عياشي سيرة ثرية، فاشتغل في الصحافة منذ كان طالبا جامعيا و أسهم في إعادة إصدار جريدة «الجزائر الجمهورية»، اليسارية التي كانت تحظرها السلطات منذ عام 1965. وفي عام 1990 ترأس تحرير النسخة العربية من أسبوعية «المسار المغاربي» إلى أن حظرتها السلطات بعد الانقلاب العسكري في يناير 1992. تناول في كتاباته الحركة الإسلامية ونشر فيها كتابه «الإسلاميون بين السلطة والرصاص»، الذي صادرته السلطات في عام الانقلاب. ونشر عام 2014 بالعربية والفرنسية كتابه «سنوات الشاذلي بن جديد» الذي يؤرخ عبر حوارات مع شخصيات كانت فاعلة في المشهد السياسي لفترة حكم الشاذلي بن جديد (1987-1992)، ويرصد الصراعات الخفية داخل مؤسسة الحكم آنذاك كما أسس وشارك في عدد من الجرائد الوطنية منها «الجزائر نيوز» و الخبر، ثم انتقل منها إلى جريدة الحياة ثم قناتها التلفزية، واستقال منها في نوفمبر 2019، كما شارك في انشاء مجلة نفحة الإلكترونية و عمل كرئيس تحرير لمجلة إنزاحيات الثقافية. كما كتب في الشأن الثقافي سلسلة من المقالات حول أغنية الراي بوصفها تراثا غنائيا كان مهمّشا من قبل السلطة السياسية في ذلك الوقت، وأجرى أول حوار صحفي مع الشاب خالد الذي كان قد بلغ بالكاد سن العشرين آنذاك، تعلم وهو في سن السابعة عشرة من كاتب ياسين الذي عيّن وقتها مديرا للمسرح الجهوي في سيدي بلعباس، وعاد والتقى به بعد انتقاله إلى الدراسة في العاصمة حيث عاش معه لعدة أعوام ومثل وترجم بعضا من مسرحياته إلى اللغة العربية، وتأثر به لاحقا في كتاباته المسرحية والروائية، أصدر في عام 1988 روايته الأولى «ذاكرة الجنون والانتحار» التي اعتبرت آنذاك كسرا للنمط السائد في الرواية الجزائرية آنذاك، من حيث توظيف تقنيات ذات منحى سيكولوجي والمزج بين الواقعية والسريالية، وهو منحى استمر في روايته الثانية «هوس»، التي صدرت عام 2007، نشر في عام 2008 على حلقات رواية «ملائكة وشياطين» تعلم من كاتب ياسين وهو في سن السابعة عشرة مع الذي عيّن وقتها مديرا للمسرح الجهوي في سيدي بلعباس، وعاد والتقى به بعد انتقاله إلى الدراسة في العاصمة حيث عاش معه لعدة أعوام ومثل وترجم بعضا من مسرحياته إلى اللغة العربية، وتأثر به لاحقا في كتاباته المسرحية والروائية، أصدر في عام 1988 روايته الأولى «ذاكرة الجنون والانتحار» التي اعتبرت آنذاك كسرا للنمط السائد في الرواية الجزائرية آنذاك، من حيث توظيف تقنيات ذات منحى سيكولوجي والمزج بين الواقعية والسريالية، وهو منحى استمر في روايته الثانية «هوس»، التي صدرت عام 2007، نشر في عام 2008 على حلقات رواية «ملائكة وشياطين»، وفي عام 2010 أصدر روايته الثالثة «متاهات» التي تناولت أعوام الحرب الأهلية في جزائر التسعينيات، كما كتب في الشأن الثقافي سلسلة من المقالات حول أغنية الراي بوصفها تراثا غنائيا كان مهمّشا من قبل السلطة السياسية.
كتاب سنوات الشادلي
الكتاب من حوالي 300 صفحة يسرد بواقعية مرحلة مابعد الرئيس بومدين حتى استقالة الشادلي وهو عبارة عن مجموعة حوارات مع سياسيين وعسكريين صنعوا تلك الحقبة 1978-1992، بأسلوب صحفي توثيقي بلمسة أدبية يلفها الحياد و تبتعد عن الذاتية و التعصب.
سرد كرونولوجي لفصول الكتاب.
أفضل في قراءتي هذه أن أعيد ذكر المعلومات التاريخية والشهادات المهمة في الكتاب لأنني أرها مهمة ونادرا ماذكرت.
كان الشاذلي بن جديد مثال الجندي المنضبط الذي قذفت به حياته الشقية تحت ظل النظام الكولونيالي للالتحاق بالثورة وهو لا زال فتى طري العود، ولم يكن له من هدف إلا المساهمة في تحرير البلاد، ومن هنا كان الرجل بدون طموحات شخصية، وإن وجد نفسه يتبوأ مكانة محترمة عندما كان ضابطا في المنطقة الشرقية، وفي بداية الإستقلال لما اندلعت الحرب بين الولايات في سبيل السلطة وجد نفسه لأيام أسيرا بين أيدي جماعة بوبنيدر المدعو صوت العرب لأسابيع، لم يكن يحلم أن يكون رئيس، لم تكن تعنيه ولا تغريه تلك الحياة السرية لمجانين الحكم مثل أحمد بن بلة أو الهواري بومدين أو، عبد العزيز بوتفليقة، أو شريف بلقاسم، محمد الشريف مساعدية ومحمد بوضياف وغيرهم ممن تدربوا على النضال في دهاليز الحركة الوطنية وسراديب ما كان يسمى بالنظام إبان حرب التحرير ، حيث كان هذا المسمى “نظام” يعكس الصراعات المريرة حول سلطة الثورة.
بعد إنقلاب 19جوان 1963 و مع تعاظم نفوذ بومدين الرئيس أصبح الشاذلي بن جديد على رأس المنطقة العسكرية الثانية بوهران، كان هواري بومدين الذي يتضايق من رفاقه الأقوياء والطامحين إلى منازعته الزعامة يشعر بميل شديد تجاه الشاذلي بن جديد المسالم والبسيط والذي قام بترقيته إلى أعلى رتبة عسكرية آنذاك.وهي منصب عقيد وهي نفس الرتبة التي كان يحظى بها هواري بومدين.
وهران كانت وفق نظرة أهل الوسط والشرق عاصمة الحياة الصاخبة والزهو، كان يعشقها الشادلي ويستلقي في شواطئها وينعم بهوائها ومسراتها، وكان بومدين عندما يضيق ذرعا بالنزاعات بين رفاقه المقربين منه مثل شريف بلقاسم، وبوتفليقة وأحمد قايد يهرب أحيانا لأيام إلى وهران حيث الشاذلي بن جديد، ظهر جليا على الشادلي ميله الشخصي إلى نوع من الإنفتاح والليبرالية، ولذا امتلك مقهى ريش في وسط وهران و التي كان يثار حولها الغمز واللمز من طرف المواطنين وكوادر الحزب و لم تثير قلقا في نفس بومدين الذي قال يوما لرفاقه عليكم أن تختاروا بين الثورة والثروة!
كان ميل الشادلي ينحو باتجاه الليبرالية إلا أنه ظل مواليا لبومدين حتى وإن لم يكن يتقاسم مع رئيسه توجهاته الإيديولوجية حول تبني الإشتراكية والتحالف على المستوى التكتيكي مع اليسار الممثل في حزب الطليعة الإشتراكية الذي سعى هواري بومدين بعد أن أدخل قياداته وكوادره السجن إثر انقلابه على أحمد بن بلة إلى توظيفه ضمن استراتيجيته التي كانت تلاقي معارضة من طرف تيارات وشخصيات إسلامية مثل تيار جمعية القيم التي قام بومدين بحظر نشاطاتها في 1966 وزج بزعيمها الهاشمي التيجاني في السجن، والشيخ العرباوي والشيخ عبد اللطيف سلطاني والشيخ مصباح حويدق الذين تعرضوا إلى مضايقات من قبل رجال أمن بومدين وأيضا الشيخ خير الدين الذي كان من الوجوه البارزة في جمعية العلماء وكان بن جديد قد اعترض على سياسة بومدين تجاه الحريات ومسألة دخول الجزائر في نزاع مع المغرب عندما قرر بومدين مساندة البوليزاريو.
في ديسمبر 1978 اختفى ورحل هواري بومدين وهو في أوج مجده وقوته واتساع رقعة شعبيته، فلم يتخيل الجزائري البسيط يوما أن الجزائر ستكون بدون بومدين بكل هذه السرعة، عشية وفاة هواري بومدين اندلعت الحرب داخل سرايا الحكم حول خلافة رجل الجزائر القوي، كان عبد العزيز بوتفليقة، الرجل المقرب من بومدين ووزير خارجيته يرى في نفسه، المرشح القوي لخلافته، ولقد ضاعف بوتفليقة وهو الرجل الدبلوماسي، صاحب العلاقات المتشعبة بحكم منصبه مع الدوائر الغربية والفرنسية بشكل خاص جهوده لكسب التأييد الخارجي خاصة وأنه ذو توجه ليبيرالي منفتح ، وعلى النقيض وفي مواجهة بوتفليقة كان محمد الصالح يحياوي العسكري السابق والذي يشرف على مدرسة شرشال العسكرية، وأصبح رجل حزب جبهة التحرير القوي و أظهر منذ بداية سباقه نحو خلافة بومدين عن نيته في مواصلة نفس مشوار هواري بومدين و الدفاع عن الإيديولوجية الإشتراكية.
لكن رجال بومدين والعسكر وعلى رأسهم قاصدي مرباح والعربي بلخير كان لهم رأيا آخر فاختاروا أن يكون الرئيس محايد و غير متورط في السلطة فاقترح اسم الشادلي بن جديد، في البداية ارتبك بن جديد لكن سرعان ما عبر عن قبوله عرض العسكر الأصدقاء.
في سنوات حكمه الأولى عمل الشادلي على التخلص من التركة البومديينية، لعب دور الرئيس، الطيب، المحب للحياة والخير والدين والساذج إلى حد ما المحاصر بالأشرار والمتشددين الذين لا يريدون للجزائر الخروج من قوقعتها، وبالرغم أن مثل هذا التوجه نحو الانفتاح سرعان ما لاقى في البداية اعتراضا ورفضا شديدين من داخل أجهزة الحكم، إلا أن الشاذلي بن جديد أدرك كيف يعمل تفكيك الآلة البومدينية بصبر وتؤدة شديدين.. لقد رفع الشاذلي بن جديد شعارات كبرى مضللة وتمكن من خلالها التغلب على خصومه عن طريق المكر والخديعة والحيلة.. وكان أول هذه الشعارات محاربة الفساد والرشوة، وتحولت هيئتها فعلا إلى أداة ناجعة في شن حملة أو معركة حقيقية ضد إرث البومدينية التي كان البعض يريدون تحويلها إلى عقيدة جديدة مثل الكاستروية في كوبا،عمل الشاذلي بن جديد على التخلص من العسكريين الذين كان نفوذهم في بداية تعاظمه وراح يدفع بوجوه جديدة لتتصدر الواجهة مثل رشيد بن يلس، وليامين زروال، وخالد نزار والعربي بلخير الذي سيصبح لوقت طويل ذراعه الأيمن وأمين أسراره وخلال هذه الفترة بدأت تتشكل تحت حكم الشاذلي بن جديد أوليغارشية عسكرية جديدة على الطريقة الجزائرية،لذا اختار الشاذلي طريقا آخر مختلفا كل الإختلاف عن سابقه، وهو الطريق الواقعي البعيد عن الأحلام الكبرى وعن المشاريع الكبرى التي كلفت الخزينة الجزائرية أموالا باهظة.. فبدل الإستثمار اختار الإستهلاك، وكان سعيدا وهو يرى الجزائريين الذين كانوا يقفون الساعات الطوال أمام أسواق الفلاح لاقتناء الزيت والسميد والسكر وحاجاتهم الأساسية يتهافتون على الموز والتفاح والكيوي والفورماج الأحمر التي لم يكونوا يروها إلا في الأفلام أو الأحلام. كان الربيع الأمازيغي سنة 1980 بمثابة التحدي الأول الحقيقي لسلطة الشاذلي بن جديد والذي برغم المناورات من أجل احتواء الاحتجاج الأمازيغي كشفت عن وجه متسلط، ديكتاتوري وعنفي، لقد استعمل التعذيب ضد الطلبة وتلاميذ الثانويات في محافظات الشرطة وفي ثكنات الاستخبارات العسكرية، كما وُظفت صحافة الحكومة والحزب الواحد بشكل سيء لتوجيه تهم باطلة لهؤلاء الناشطين الذين طرحوا مسألة الثقافة الأمازيغية والتعددية الثقافية والسياسية ومسألة الحريات وحقوق الإنسان.. لقد تعثرت ليبرالية الشاذلي في أول جولة لها أمام التحدي الأمازيغي، وقدم عدد من الناشطين وعددهم 24 إلى محكمة المدية وهي محكم�� أمن الدولة وبالرغم من تراجع حكومة الشاذلي بن جديد، وإطلاق سراح المعتقلين بعد امتداد واستمرار الاحتجاجات الشعبية بمنطقة القبائل، قام نظام الشاذلي بلعبة مزدوجة من أجل تطويق حرب الهوية التي اندلعت في جامعة تيزي وزو في بداية الأمر، تمثلت من جهة في غض النظر لنشطاء الحركة الثقافية القيام بلقائهم التاريخي في قرية ياكوران بمنطقة القبائل للخروج بأرضية تكفيرية في المسألة الثقافية الأمازيغية لكن من جهة ثانية طرحت السلطة تصورا حول المسألة الثقافية ضمن أطر جبهة التحرير الوطني ووفق التوجيهات العامة للميثاق الوطني الذي أسقط ورقة الأمازيغية في نصه الأساسي.. وقد بدا أن الشاذلي عمل على تمييع القضية التي كانت أساسا تطرح مسألة الحريات والتعددية والديمقراطية، ومسألة تنوع مكونات الهوية الوطنية.. فشجع كتائب صوت التعريب على القيام بنشاطات تطوعية، تهدف إلى تعريب الوثائق بالإدارات المركزية المحلية، وهكذا حازت كوادر هذه الحركة على مواقع نفوذ في منطقة القبائل أساسا من خلال حصولها على مناصب عليا داخل الولاية أو داخل جهاز الحزب.
ظهر خلال فترة حكم الشادلي نزوع نحو الفكر المحافظ والمتسلط في المجال الثقافي والعلمي والاجتماعي، بحيث تمت عملية هي أقرب إلى تقسيم العمل والأدوار ضمن منظومات الحزب الواحد والجهاز التنفيذي، فعلى مستوى الجامعة والمنظومة التربوية بدأت عملية تطهيرها من البرامج التي كان يقال عنها أنها تساعد على انتشار الأفكار الهدّامة والإباحية مثل الماركسية، وراحت الجامعة تحت غطاء التعريب المبني على الجهالة تتحول إلى ثكنة للعقل الجامد، فتم فسخ الكثير من العقود مع الأساتذة الأجانب المشبوهين فكريا وثقافيا، فطرد اليساريون والعلمانيون والمثقفون النقديون باسم جزأرة الجامعة وتعريبها فتحول معهد الحقوق إلى معهد معرب مائة بالمائة وذلك عن طريق التضحية بالكفاءات النقدية وتعويضها بالكوادر ضحلة التكوين العلمي، لكنها موالية لحزب جبهة التحرير، كما أدمج الكثير من موظفي الإدارة والمناضلين في الجامعات دون حصولهم على شهادة البكالوريا، كما ظهرت سلوكات التسلط والهيمنة والتشدد وتجلى ذلك بشكل صارخ في قانون الأسرة الذي وافق عليه البرلمان تجاه المرأة التي نظر إليها باعتبارها فرد ناقص وفي حاجة إلى وليّ، وكان مثل هذا القانون متعارضا بشكل عنيف مع الدعوات إلى التخلص من التركة البومدينية.
الشاذلي رقص على موسيقى الإسلاميين منذ اعتلائه عرش قصر المرادية و ارتدى عباءة الرئيس المؤمن، وكانت الرسالة واضحة، وهو استقطاب قوة اجتماعية وسياسية صاعدة ممثلة في الإسلاميين، فترة حكم بن جديد التي اتسمت بنوع من البلاد شجعت الوصوليين والانتهازيين والمتسلقين والأصوليين الذين سيدفعون الجزائر إلى لحظة هي أشبه باللعنة وهي لحظات انهيار وإفلاس الشاذلية والتي عبرت عن عجز شامل دفع بالبلاد إلى حرب أهلية وإلى حالة من تيه الوعي وضياعه، كما شجعت السلطات الإسلاميين خاصة في الجامعات على تنظيم معارض للكتاب الإسلامي، وفتح المدارس الثانوية أمام الدعاة المشارقة للاحتكاك المباشر بالجيل الصاعد من الطلبة، وإلى جانب ذلك، فلقد شجع الشاذلي بن جديد على إنشاء أكبر جامعة للعلوم الدينية، وكان الشيخ الغزالي رئيس مجلسها العلمي، وهي جامعة الأمير عبد القادر بقسنطينة، وكان ثمة مشروع آخر مماثل لكنه لم ينجز.. وهو عبارة عن جامعة للعلوم الدينية تحمل اسم عبد الحميد بن باديس بوهران، كما تغاضى الشاذلي بن جديد عن تلك الجمعيات التي تكاثرت كالطحالب بشكل لافت، كانت وراء بناء المساجد الموازية لمساجد الدولة.. وسهرت وسائل الإعلام، منها التلفزيون الجزائري على تقديم الشاذلي، خاصة بعد أن توجه إلى البقاع المقدسة كرجل مؤمن أقرب إلى صورة أمير المؤمنين، ولقد تحولت العمرة لدى الشباب إلى موضة، وهذا من خلال سياسة تشجيع الشباب على أدائها، وذلك ما فتح الباب أمام الإسلاميين السعوديين لجلب الشباب الجزائري نحو التطوع “للجهاد” في أفغانستان وبالفعل ارتفع عدد المجندين الجزائريين في أفغانستان إلى حوالي خمسة آلاف متطوع والذي قدمتهم الصحافة الرسمية كأبطال يمثلون الشباب الجزائري.
حاول الشاذلي بن جديد أن يكسب ود الإسلامين المسلحين كجماعة مصطفى بويعلي و محمد عثمان و يخفف من تلك الهواجس التي عبرت عنها عصب أخرى داخل جهاز الحزب الحاكم وداخل المؤسسات الأمنية من جهة، ومن جهة ثانية حاول أن يكشف للإسلاميين عن حسن نيته تجاههم وعن جديته في دفعهم لأن يلعبوا أدوارا مهمة لكن إلى جانبه وليس بالتناقض مع سياسته فتقدم بعفو عن جماعة عثمان محمد وغيرهم من الجماعات الإسلامية الأخرى وكان ذلك اعتقادا منه لكسب ودهم ونصرتهم لتوجهاته السياسية التي كان يسعى لتثبيت أقدامها على مراحل، ولقد وجد الشاذلي بن جديد ترحيبا بهذه السياسة المنتهجة من قبله تجاه الإنفتاح الليبرالي، وتجاه الإسلاميين من قبل أصدقائه الجدد في الخليج وعلى رأسهم المملكة العربية السعودية وإمارة دولة الكويت، وفي ظل هذه الأجواء تمكن جيل جديد من اكتشاف أدبيات السلفيين الوهابيين مثل كتابات الألباني والعثيمين وأدبيات عبد الله عزام السلفي الإخواني والزنداني الذي روج للنزعة العلموية في الخطاب القرآني وكان ذلك على حساب الكتابات النقدية لمفكرين علمانيين ويساريين، بحيث تم تشجيع حرق كتب حسين مروة مثل “النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية” وشنت حملة شعواء ضد هذا الكتاب الذي ألفه فيلسوف لبناني ينتمي إلى الحزب الشيوعي اللبناني، بالقضاء على تمرد بويعلي استطاع الشاذلي تطويق خصومه الذين راحوا يطلقون من حوله الإشاعات باعتباره أصبح حليفا للإسلاميين الذين سيلقى على أيديهم حتفه ونهايته الدموية مثلما حدث ذلك للرئيس المصري محمد أنور السادات الذي أطلق على نفسه لقب الرئيس المؤمن عندما أطلق أيدي إسلاميي مصر في حقبته الإنفتاحية والتي كان أحد أهدافها الرئيسية التخلص من التركة الناصرية.. واقتنع الشاذلي بن جديد أن الإسلاميين أصبحوا رهن إشارته وهو على أهبة الإنطلاق إلى مرحلة جديدة وجذرية، هي مرحلة الإصلاحات العميقة وذلك لمواجهة على صعيد آخر انخفاض مداخيل الجزائر المتضمنة البترول والغاز من صادراتها بنسبة ضخمة بلغت 40٪ “مجردة الدولة من خمسة مليارات دولار تقريبا من الدخل المتوقع.
بعد تراجع أسعار البترول إلى النصف تقريبا وبميزانية فارغة وديون كبيرة، اختار الشاذلي بن جديد الهروب إلى الأمام وإلقاء مسؤولية الانحدار الكبير الذي أصبحت تعرفه الجزائر على كاهل الآخرين الذين لا يفكرون إلا في مصالحهم الشخصية، فلقد اختفت السلع الاستهلاكية من الأسواق وارتفعت الأسعار بشكل مفاجئ وجنوني، وأضحى قطاع الإنتاج يعاني من فراغ مخازن قطع الغيار والمواد نصف المصنعة 6 وانتشر اليأس في أوساط الناس وبدا الأفق أشد حلكة وراحت الاحتجاجات تتوسع رقعتها في عدة أحياء شعبية بالجزائر العاصمة وفي وهران ومدن داخلية من أجل الحصول على سكنات اجتماعية وعلى الماء القابل للشرب، في الخامس من أكتوبر من سنة 1988 راحت أحياء العاصمة تهتز، من باب الواد إلى القبة، إلى الحراش إلى باش جراح، إلى ديدوش مراد والعربي بن مهيدي… حجارة ومولوتوف في كل مكان… النيران تمتد إلى أسواق الفلاح إلى قسمات حزب جبهة التحرير إلى محافظات الشرطة إلى المؤسسات التربوية إلى الوزارات.. ما الذي يحدث؟! تساءل الشاذلي بن جديد؟! ما الذي يريدونه؟! لماذا هم ينتفضون بهذه الطريقة المتوحشة والمجنونة، ظلت تساؤلات الشاذلي بن جديد الذي أصابه الهلع والفزع والذي كان على شفا الإنهيار معلقة في السماء.. ما العمل؟...أعطيت الأوامر لتدخل الجيش، لتجد المؤسسة العسكرية بدون هامش مناورة متورطة في مواجهة شبان في ربيع العمر، توجه بن جديد إلى التلفزيون عندما لم يتمكن تدخل وزير داخليته من إخماد النيران، وبدا في أقوى حالات الضعف، اتى بعدها دستور التعددية الحزبية ورحل الشادلي وغرقت الجزائر في حمامات الدم.
كان يقول الشاذلي بن جديد لمقربيه إنه كان يمضي وقتا طويلا في ممارسة لعبة الشطرنج مع هواري بومدين عندما كان يضيق ذرعا بأصحابه ورفاقه في العاصمة ويهرع هاربا إلى الباهية ليتنفس قليلا ويستعيد حيويته ومرحه،بدا بعينيه الحائرتين اللتين تنم عن عدم ثقة في النفس أنه مجرد دمية قد تحركها أشباح تختفي من وراء، لها سلطة الحل والعقد والقدرة الجهنمية والشيطانية على التحريك والتوجيه، وعلى رسم خريطة الطريق الجديد، ومنذ اللحظات الأولى أدرك الشاذلي بن جديد كيف يخفي أفكاره وخططه ويلعب دور الرجل المغفل وصاحب النوايا الطيبة إلى درجة السذاجة بإتقان وهذا ما أكسبه ميزة خاصة تزيح الرجال الأقوياء والأعداء من حوله.
نادرا ما نقرأ أعمالا بهذه الجدية والإتقان الكتاب شيق ممتع بوصفه و سرده وحياده، أرى أنه من الضروري أخذ نصوص منه ووضعها في المنهج المدرسي للطور المتوسط والثانوي،...