كساني نحول الشيخوخة في زمن بضاضة الصبي و سبكني في قالب الكهولة أيام الفتاه و توّجني بتاج الهرم الأبيض بدل صبغة الشباب السوداء. فصورتي تُريك أبناء السبعين وحقيقتي لم تشهد من الأعوام إلا تسعة وثلاثين . فإن عرفتني بهذه الصفات عرفت أني عبد الله وفقني لهذه الخدمة ابتغاء مرضاته، وإن أبيت إلا التصريح جاءك لقبي في خلال الكتاب فإني على ما تصورته أنيس للغريب و للوحيد نديــــم .
هذا الكتاب هو دراسة ماتعة وافية ورصينة للغاية لحياة الثائر العظيم أستاذ الأدباتية و أديب الأساتذة عبد الله النديم ،لطالما فُتنتُ بهذه الشخصية الفريدة وبدوره العظيم في التاريخ القومي وتاريخ الثورة العرابية بشكل خاص .ولكني أقول أن الكتاب جاء كدراسة عن عصر النديم بشكلِِ عام فبدأ في بابه الأول بالحديث عن الحركة الفكرية والسياسية في مطلع القرن العشرين وكذلك الحالة الاجتماعية ووضع الطبقات المختلفة والنشاط الثقافي والصحفي و كان الكاتب موفقاََ في هذا الباب . ثم جاء أمتع فصول الكتاب مع بداية الباب الثاني له (حياة النديم) وفيه حدّثنا عن بدايات النديم و عائلته ومولده ودراسته في الجامع الأنور _بالاسكندرية_والذي يضاهي الأزهر الشريف في القاهرة ومن ثمّ ضيقه بالدراسة الرتيبة فيه وميله الواضح للأدب والزجل واللغة العربية .والوظائف التي شغلها وحبه للترحال المستمر ومنادمة الناس حتى أصبح ذلك اللقب ملتصق باسمه ،ثم المرحلة الفاصلة في حياته عندما قابل السيد جمال الدين الأفغاني وقد شغفته شخصية السيد وفكره فانضم على فوره لحزب الإصلاح الذي يترأسه الأفغاني وأعُجب الأفغاني به أيضاََ فكان أن انتدبه للاسكندرية مسقط رأسه ليدعو الناس للمباديء التي أسسها أستاذه الأفغاني وأنشأ بها الجمعية الخيرية الاسلامية .مروراََ بلقاءه بعرابي ومشاركته الفعالة في الثورة خطيباَ وصحفياََ ثائراََ ومحرضاََ للناس على الثورة على الأوضاع المزرية التي وصلوا لها في ذلك العهد .
أهل البنوكا والأطيان صاروا على الأعيان أعيان وابن البلد ماشي عريان ممعاه ولا حق الدخان شُرُم بُرُم حالي تعبان
المذهل في النديم أنه لم يتلقى أي تعليم نظامي باستثناء السنوات الثلاث التي قضاها في الجامع الأنور في الاسكندرية متململاًً من رتابة الأساليب التي كانت تستخدم في تلقين الطلبة العلوم الفقهية فقط ،بنى ثقافته بنفسه من القراءة والإطلاع والترحال والسفر والحديث مع الناس ،دخل كل البيوت من الريف إلى قصر الوالدة الباشا خوشيار حين عمل لفترة عاملاًً على التلغراف في القصر (تلغرافجي) قبل أن يتم طرده لجرأته على خليل أغا القائم بأعمال القصر ،و يمكن القول أن حادثته مع خليل أغا في قصر الوالدة باشا قد أخرج منه ملامحه الثورية الأولى بالإضافة أن تلك الفترة التي قضاها هناك عرّفته الهوة العظيمة بين حياة الأسرة الحاكمة وحياة المواطن المصري العادي فكانت تلك البذرة لفكرته مصر للمصريين لا للترك ولا للانجليز .
ولكن يُخطيء من يظن أن كل إسهامات النديم كانت في مجال السياسة والثورة العرابية فقط فالرجل له أيادِِ بيضاء في مجالات عدة منها و أهمها في التعليم فمثلاََ في المدرسة المنبثقة من الجمعية الخيرية الإسلامية والتي أنشأها في الاسكندرية أجرى الرجل تعديلات هائلة مختلفة جذرياََ عن النظام السائد في بقية مدارس القطر المصري والذي أطلعنا عليه الكاتب بإيجاز .فأدخل مثلاََ مادة التمثيل والخطابة وأنشأ المسرح المدرسي وقام بكتابة وإخراج مسرحيات عرضها طلبة المدرسة على مسرح زيزينيا بالاسكندرية بحضور الخديوي توفيق في أحدها . كما نادى بتحسين الوضع في الأزهر وإدخال تعديلات على نظام الدراسة فيه واضِعاََ لائحة محددة بأهم التعديلات التي يقترحها والتي تم تنفيذها بعد سنوات من وفاة الرجل . النديم كان مُصلحاََ اجتماعياََ من طراز رفيع ،يسافر ورحل من بلدة لبلدة في قرى مصر ،يلاحظ الظواهر الاجتماعية والأخلاقية التي تتفشى بين المصريين ويكتب عنها منتقداََ في صحيفته إما على شكل مقالاََ صحفياََ أو بالسخرية من تلك الظاهرة على شكل قصة أو حكاية مرحة في جزء مُسمى ب التنكيت ثم ينتقد ويفندها في الجزء الذي سماه التبكيت . انتشر مثلاََ_تماماً كأيامنا هذه_ ظاهرة استخدام اللغات الأجنبية بين الطبقات المثقفة من المصريين وأهملوا العربية في أحاديثهم ومساجلاتهم الفكرية فكتب مقالاََ بديعاََ أورده الكاتب في الكتاب بعنوان " إضاعة اللغة تسليم للذات " أقتبس منه :
أيها الناطق بالضاد-بما تستبدل لغتك و ما لها من مثيل ،وإلى من تتركها و أنت لها كفيل. و ما الذي استحسنته في غيرها واستقبحت مقابله منها .وأي شيء طلبته منها ولم تجد له اسما؟!!
هامش: شاهدت على اليوتيوب من فترة بعيدة أو بالأحرى سمعت مسلسل إذاعي بديع قديم جداََ أعتقد من بطولة الراحل أحمد زكي والرائع محمود المليجي عن حياة النديم باسم (المتمرد) كانت فيه تفاصيل صغيرة وجميلة هذا رابطه لمن أراد https://www.youtube.com/watch?v=iAwdO... وهنا الفيلم الوثائقي الجميل أيضاََ (كان و يكون) الذي عرضته الجزيرة الوثائقية https://www.youtube.com/watch?v=q7Orj...