تنطلق هذه الدراسة من التاريخ الحضاري للثقافة العربية الإسلامية في العصر العباسي، بمعنى أن أصول الظاهرة المبحوثة/ الابداع الفني شعر الغناء، موسيقى/ يشكل التاريخ رافعته الأولى، من حيث التكوين والتحليل، فيما يكون الاستطراد الوصفي لهذه الظواهر، هو أحد المؤشرات الجدلية، التي تدعم وجهة نظر البحث من الزاوية الانثروبولوجية والساسيولوجية أيضاً، ناهيك عما يكشفه البحث من استعراض لأوجه الثقافة العربية- الإسلامية- في العصر الوسيط، بمختلف تياراته الفكرية والسياسية، وهو الأمر الذي يكشف بأن حالة الصراع الاجتماعي آنذاك، كانت من أبرز عوامل التقدم والصعود في الأفق الحضاري، نظراً لوجود الاختلاف والتمايز في الوحدة الاجتماعية في العصر العباسي، حيث إن التيارات الإسلامية كانت تتبارى في ساحة الفكر والفن، لإثبات الجدارة والتفرد في الخصوصية، كالمعتزلة والأشاعرة والصوفية والسنة والشيعة والإسماعيلية والقرمطية، وغيرها من بقية المذاهب والفرق.
اشترك غالبية المجتمع البغدادي في التعاطي مع السماع وحضور مجالس الغناء، فإن الحالة الثقافية لتلك الفترة كانت عاملاً أساسياً في رفع وتيرة الوعي المعرفي لدى الناس لاحتضان ظاهرة الغناء، والتعامل معها بحس حضاري يستجيب لمتطلبات الحالة الاجتماعية، ومجالس الغناء على اختلاف صنوفها ومستوياتها، كان للشعراء والأدباء ورجالات الفكر والسياسة دور واضح في تنشيطها على الصعيدين الاجتماعي والإبداعي.
الكتاب مقسم إلى أربعة فصول: الحنين في قصيدة ابن زريق البغدادي. رحلة زرياب إلى الأندلس. مجالس الغناء في بغداد. حوارات فلسفية في الموسيقى.