غلاف الكتاب - (ذوات) ذوات - نزهة صادق صدر ضمن منشورات "مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث" عن "المركز الثقافي العربي" ببيروت والدارالبيضاء، كتاب تحت عنوان "ولادة المسيح وإشكالية التثاقف اليهودي المسيحي" للباحث المغربي يوسف هريمة.
يتطرق الكتاب إلى قصة ولادة المسيح لما لها من أثرٍ عميقٍ في توجيه الفكر الديني عموماً، والمسيحي منه على وجه الخصوص.
ويعالج كتاب "ولادة المسيح" التباين الذي تعرفه وجهات النظر المختلفة حول كل مجريات ومستلزمات قصة ولادة المسيح، كما يتطرق إلى إشكالية تعدد المصادر التي استسقى منها الفكر الديني المسيحي تصوراته العقدية والفكرية.
يحاول الباحث هريمة من الناحية المنهجية، الحفر في تاريخ التكوين والبناء الفكري لقصة المسيح، بانياً تصوراته انطلاقاً من تعدد أوجه الطرح المنبثقة من الكتاب المقدس ومن الوثائق التاريخية، والتي شكلت على مر العصور، أحد المحددات الأساسية والموجهات المركزية للعقل المتدين وللإدراك المسيحي.
وتكمن أهمية الموضوع في كون هذا الطرح ينبع من الواقع المعاصر بكل تشكلاته وتعقيداته؛ "فالعقائد والأفكار والتصورات لا يمكن حصرها في دلالات الألفاظ، أو المشاهد وفصول كل أحداث التاريخ المروي داخل الكتب المقدسة، وإنما يتجاوز الأمر كل هذا في اتجاه التأثير والتأثر بالواقع الاجتماعي والفكري والثقافي"، كما أن الأفكار التي لازمت الفكر الديني عموماً وارتبطت به ارتباطاً وثيقاً، ووجدت فيه التربة الخصبة التي تستدعي المساءلة والبحث بغية العثور على إجابات من خلال استقراء ومقارنة الكتب المقدسة "القانونية" و"غيرالقانونية"، ومحاولة فهمها بعيداً عن النظرة المتحيزة في الدين.
ويؤكد الباحث في كتابه بأن الإنجيل الذي بين أيدينا لم يكن هو كل ما كتب عن المسيح ونقل عنه، كما أن توجه وأهداف رسالة المسيح لم تكن واحدة، كما أشار هريمة إلى أن كتبة الأناجيل كانوا بشراً وما ميزهم عن غيرهم كان إيمانهم بالرسالة واندفاعهم إلى نشرها، وأن الاستشهادات والإشارات التوراتية التي وردت في الأناجيل، تمثل بالنسبة إلى المسيحية إرثاً تاريخياً لا علاقة له بالعقيدة المسيحية، بالإضافة إلى أن قانونية الأناجيل المعتبرة في قصة ولادة المسيح تعود إلى الجهة المقننة؛ أي إلى المجامع المسكونية التي ارتبط ظهورها بظروف امتزجت فيها المسيحية بالفكر الوثني للإمبراطورية الرومانية، فكانت هذه المجامع نقطة تحول في التاريخ الديني المسيحي.
يتضمن كتاب "ولادة المسيح" أربعة فصول، ويتناول الفصل الأول البدايات الأولى من حياة مريم، كما يعالج الفصل الثاني قضية"الاتهام"، والتي تعد أخطر قضية في قصة ولادة المسيح، وخصص الفصل الثالث لقضايا النسب بوصفها من الأمور الخطيرة أيضاً وذات تأثير بالغ في مسار الفكر المسيحي اليهودي. أما الفصل الرابع، فقد كشف فيه الباحث عن مدى التأثير اليهودي المسيحي من خلال قصة المسيح.
وقارب هريمة في كل فصول الكتاب النصوص بمنطق الكتاب المقدس، وليس بمنطق القرآن الكريم، حيث ظل هذا الأخير في كل المباحث والمواقف محايداً، رغبة من الباحث في سد الهوة السحيقة التي آلت إليها الدراسات القرآنية في تعاملها مع القرآن، كما تبنت المدارسة فكرة الإيمان بأن للقرآن وجهات نظر واقتراحات إنسانية تخرج به من إطار الإيمان السلبي إلى طور يكون فيه المؤمن مسهماً في حلول القضايا الإنسانية.
بعد جولة علمية في رحاب الكتاب المقدّس، خرج الكاتب في بحثه بمجموعة من الملاحظات، منها أن مصداقية الإنجيل المتداول تعود إلى الكنيسة وليس إلى الكتاب في حد ذاته، وأن الرؤيا التبشيرية لا تنفصل عن التوراة والموروث اليهودي، وأن الإشارات التوراتية التي وردت في الإنجيل تعد إرثاً تاريخياً لا علاقة له بالعقيدة المسيحية، كما حاول هريمة توجيه القارئ إلى أمر مفاده أن تعامل الإنسان مع القصص التي تخلق تصورات دينية مؤسسة لمنظومة قيم، يجب أن تتجاوز مفهوم الإثبات التاريخي إلى مفهوم أكثر اتساعاً، وهو الطرح الذي يتعامل مع القضايا الإنسانية الراهنة التي تتطلب إعادة النظر في المفاهيم الصنمية، والتي تعود لتجليات التدين بعيداً عن الدين