حاولت بلقيس شرارة في كتابها " محمد شرارة .. من الإيمان إلى حرية الفكر" الصادر عن دار المدى، جمع تراث والدها الادبي والثقافي وتقديمه للقارىء، بعد مضي ثلاثة عقود من وفاته
نشأ محمد شرارة في بيت عُرفَ بحبه للأدب والشعر ، ارسله والده الى مدينة النجف ليدرس العلوم الدينية عام 1920، بدأ محمد شرارة الكتابة في الصحف العراقية بقالات تنويرية وجريئة بالغم من صغر سنه، تحرر شرارة من قيود الدراسة الدينية ، وكتب مقال بعد خلعه العمامة وخروجه من المدرسة الدينية ، وقد شن هجوم عليه من قبل المحافظين في المدرسة وكان المقال بعنوان " القلم الوديع " الذي نشر عام 1936، عين شرارة مدرساً للغة والادب العربي في ثانوية الناصرية عام 1936 وتطورت مسيرته الادبية بالرغم من ان التدريس كان ياخذ اغلب وقته ، لكنه واصل واستمر في الكتابة. بدأ شرارة الدخول والمشاركة في الحياة السياسية وشارك في التظاهرة التي نظمها الحزب الشيوعي العراقي عام 1946 وكانت التظارهات تطالب بخروج القاوت الاجنبية من العراق
، بدأت اطلاعاته على الفكر الماركسي ، وتعرض لمضايقات كثيرة فقد داهمت رجال الامن والشرطة داره عام 1949 باعتباره احد المسؤولين الرئيسيين والمحرضين لأحداث تظاهرة من قبل طلبة دار المعلمين ، وتم توقفيه في موقف الكرخ وكان معه الشاعر بدر شاكر السياب وتعؤف في الموقف على العديد من الشيوعيين وقد زاره العديد من اصدقائه منه صفاء الحافظ ونزيه الدليمي وكاظم السماوي.. بعدها اطلق سراحه .
وُلدت في النجف عام 1933. حصلت على بكالوريوس في الأدب الإنكليزي من "جامعة بغداد" عام 1956. تمارس الكتابة وتقيم في إنكلترا. صدرت لها مقدمة لرواية "إذا الأيام أغسقت" لشقيقتها حياة شرارة، 2000، المؤسسة العربية للدراسات والنشر.
بلقيس ضمّت تاريخ والدها الذي نجى من الطوفان والحرق والمصادرة من دولة متعسفة بين دفّتي كتاب ثمين جدًا لمعرفة شخصية فذّة مثل محمد شرارة. نشأ محمد في بيت أدب وشعر وعلم في جنوب لبنان، أرسله والده لتحصيل العلم الديني في مدرسة النجف- العراق. وبعد أن حصل على إجازة الاجتهاد خلع العمامة وتوجه للتفكير اليساري الماركسي. شاعر وناقد وأديب وعالم، هذا بغض النظر عن صفاته الأبوية الحانية الرائعة وطريقته في إعطاء الحريّة لأبنائه وفي نفس الوقت تسييرهم نحو مستقبل مشرق. كثيرة المقاطع التي استوقفتني وجعلتني أفكر في محمد كشخص من دون الوصوف التابعة له، شخصية تُحتَرم جدًا. ومن هذا الأب لا تستغرب خروج نوابغ من تحت جناحه بلقيس وحياة بناته نماذج. اعتاد أن يقيم جلسة أدبية قريبة للصوالين الأدبية يرتادها الكثير من أدباء وشعراء ذاك العصر، وعلى سبيل المثال لا الحصر أذكر نازك الملائكة وأخيها نزار، بدر شاكر السيّاب، الجواهري، لميعة عباس عمارة. والجميل في سيرة ذاتية كهذه، الوصف الدقيق للوضع السياسي والإجتماعي الذي أحاط بالشخصية من ولادته حتّى وفاته قبل عقد من الغزو العراقي للكويت. رحمة الله على شمعة للنور والعلم والأمل.
حينما انتهيت من قراءة هذا الكتاب شعرتُ بغصة تكوي روحي . ثمة كتب يشعر الإنسان بالسعادة والطاقة حينما ينتهي منها وثمة كتب تمنحك الشعور النقيض : الحزن وكدمة في القلب ، لا أدري هل لأن السيرة الذاتية للإنسان تنتهي بموته ؟ أو لأن الأب نقطة ضعفي ؟ أو لأن سيرة هذا الأب وهذه العائلة مليئة بالكثير من الحوادث المفجعة ؟ أياً كان ، أعتقد بأن هذا الكتاب كان الأجمل والأعظم من بين كل الكتب التي قرأتها في هذا العام ، سيرة محمد شرارة والد بلقيس شرارة ، في رحلته الطويلة من حوزاتِ النجف ومدارس العراق ولبنان وسجنه ومنافيه الكثيرة ، سيرة مليئة بالحياة : تدفعك للدهشة والتأمل والضحك والبكاء والتأثر ، سيرة رجل مفكر ومتنور ، ناقد وشاعر وأستاذ عظيم . قرأت تاريخ العراق في هذه السيرة ، بكل ما يحوي من سياسيين ومفكرين وشعراء ونقاد وصحفيين وطغاة أيضاً ، تعرفت فيها على لميعة عباس والسيّاب والجواهري ، على عبدالناصر والإتحاد السوفييتي وعبد السلام عارف وعبدالكريم قاسم وغيرهم . أكثر شيء مدهش في هذه السيرة أن اللغة بسيطة وغير متكلفة ولكنها حادةٌ جداً في إيصال الشعور مباشرة إلى القلب . سيرةٌ رائعة . وأخذت أفكر في حال هذه الأمة الذي لم يتغير ، وكيف أنها منذ قديم الأزل ترمي بمبدعيها وكبار عقولها في المنافي والسجون ، في نهاية الكتاب ثمة مقطع تصف فيه بلقيس جنازة والدها وهي تقول " والنعشُ يحمل ما ادخرتُ من الحنان إلى التراب " . بكيتُ وأصابني في مقتل . سيرة عظيمة ، أنصح بقراءتها جداً جداً
صحيحٌ أن هذا الكتاب، يتضمن سيرة ذاتية عن الكاتب والشاعر محمد شرارة، ولكنني أسميه كتاباً موسوعياً، لتضمنه معلومات وأخبار عن الشعر والتاريخ والسياسة و..الحياة!
الحياة التي نتابع سيرها منذ عشرينيات القرن العشرين وحتى حرب الخليج، بين بغداد وبيروت، بين السجن والغربة، بين العزلة ولمة الأهل والأحباب.
حكايا جميلة، يضعك الكتاب في المنتصف في قصة حب لبدر شاكر السياب مع لميعة عمارة، في أن شعر البيّاتي لم يعد كما كان..والكثير الكثير
لن تعود كما كنت قبل قراءة هذا الكتاب، أضعه أنا في عقلي ضمن قائمة الكتب التي قوّمت نظرتي للحياة، كفكر، وكعمل، وكأمل، وإلى أيّ حدّ، وإلى أيّ نَفَس، يكون الإنسان هو نفسه قادراً على التحمل، فقد تحمل محمد شرارة والد الكاتبة بلقيس شرارة صنوفاً من العذابات التي قد يصادفها أي إنسان وكل إنسان ما لم يولد وفي فمه ملعقة من ذهب