ثلاثة عقود ، الشرق والغرب ، ثم الغرب والشرق ، أجهزة المخابرات والأقليات القومية والثلج ، الغجر والبدو ، روسيا والمغرب . لا أعلم من أين بدأت الرواية تحديداً ، لكن الرحلة التي قضيتها وأنا أسير بين الصفحات كانت عميقة بما يكفي لأتنقل في روسيا بين ثلاثة أجيال مختلفة ، التقاء الحضارات ، بين الموسيقى النحت والرسم . الثلج ملجأ الجميع وفرح الجميع وذوبان الكل . من الصفحة الأولى ثمة ثقل واضح كما لو أن الأرض تحولت من تحتك إلى بساط ثلجي سميك يتجاوز قدرة قدميك على الانتقال من خطوة الى أخرى ، لكن بعد الصفحة الستين ، تركض شفتيك وروحك وجسدك وعقلك كأنك تسير بسرعة ١٠٠ كيلو متر في الساعة . الكل هنا يتحول من حالة إلى أخرى ، مستشرق فيسلوف ومغربي مهاجر وامرأتان رائعتان وشرطيّ يحمل الهرواة بدلاً من المسدس رغم أنفه ، رجال المخابرات والغجر ، تتعدد الأصوات وتنسجم ثم في لحظة ما يدركها النشاز . يزهد المستشرق في علمه ، يهجر المغربيّ أفكاره اليسارية ، تترك العازفة موسيقاها ، تنزع الغجرية جلدها الغجريّ ، يحمل الشرطيّ عصاه ويقفذها في هوة الصمت ويحمل القلم بدلاً منه إلى أن يسافر إلى القوقاز في بحثه عن الحقيقة ، فلا يجد إلا الحرب هناك وتصدمه الحقيقة التي لا تمت إليه بصلة . الرواية عمل منحوت بدقة ليس من الحجر وإنما من الثلج ، الأبطال يتكلمون كما لو أنهم محكومون بالإعدام ، وروسيا هنا لن تستطيع أن تدركها بالعقل ، لأنها تحيك نسيج مأساتها من خيوط ملهاتها .
جذبني أسم الكتاب، وجذبني أكثر الموجز المكتوب خلف الكتاب. لكن، أستطيع تلخيص الرواية بلسان الكاتب عندما قال: "وسأملأ فراغي الكبير بالبحث عن القارئ الرهيب."
هناك نصوص أبدع في كتابتها. لكن، الفجوات/الفراغات لم تمنحها السلاسة في القراءة بل وأربكتها كثيرًا في ربط الأحداث بعضها ببعض .