يضم الكتاب (365) صفحة من القطع المتوسط، ويضم جزأين: الاول وقد حمل عنوان: (الفعّالية)، ويضم هذا الجزء فصلين، هما: (المقاهي والتجمعات)، وكذلك (الصحف والمجلاّت). أما الجزء الثاني، فقد حمل عنوان: تحولات النص، بالاضافة للتقديم والخاتمة. وفي تقديمه لكتابه، يقول: (هذا الكتاب مزيج من الذكريات والانطباعات والتاريخ والنقد، اردت به رسم صورة لحركة شعرية ذات اهمية جوهرية في تاريخ الشعر العراقي الحديث، أعني حركة الستينيات..).
ومضى الأديب سامي للقول: (لستُ ابرئ كتابي هذا من الدوافع الذاتية، والانحيازات الخاصة. فهو يبدأ بدافع ذاتي هو انحيازي الى الجيل الذي أنتمي وأعد نفسي أحد أركانه، تم انطلاقي من انطباعات خاصة، أفضت بي إلى أحكام خاصة هي الاخرى..). من (الخاص) إلى (الخاص)، تنقل الاديب سامي مهدي. فهل كان موضوعياً؟. المؤلف يجيب: (أزعمُ أنني حاولتُ أن أكون موضوعياً ومنصفاً في استقصاء أدوار الأخرين، وتسجيل انطباعاتي عنها وأحكامي حولها بكل ما توفر لي من شعور بالمسؤلية الأدبية).
مشروع قديم
يذكر مؤلف (الموجة الصاخبة)، أن كتابه هذا (مشروع قديم بدأتُ بكتابته عام 1978، أيام إقامتي في باريس. وقد أنجزتُ منه في تلك الفترة، الجزءَ الاكبر من الجزء الاول..).
وثمة اكثر من دافع، يدعونا للتساؤل عن الشعر الستيني، والشاعر الستيني. وبحثاً عن الجواب، نجد ان المؤلف، يسهب في الحديث عن (نواة) تكون الستينيين، فيقول: (كان أغلبهم حديث عهد بالنشر. فمنهم من نشر شيئاً من كتاباته هُنا أو هناك. ومنهم من لم يكن قد خطا خطوة واحدة خارج حدود زوايا القراء. ولكنهم كانوا مفعمين بالأحلام والطموحات، اذ كان لديهم من الفراغ ساعات طويلة..).
ولكن أي مستقبل سيتحقق للشعر العراقي على يد مشردين وعاطلين ومفصولين، جاؤا، كما يقول المؤلف (من محافظات العراق المختلفة، وأقاموا في بغداد، فاستقبلتهم فنادقها المتواضعة، وغرف بيوتها القديمة، وموائد باراتها الرخيصة).
صعوبات وعوائق
وفي خاتمة كتابه، يقرر الاديب والكاتب والشاعر سامي مهدي، أن (الطريق لم تكن سهلة وممهدة أمام الستينيين، كما يوحي الانطباع الاول، بل كانت صعبة حافلة بالعوائق. فلقد واجهتهم ظروف سياسية قاسية ومعقدة كانت لها انعكاسات مباشرة عليهم وعلى مشروعهم الشعري، وواجهتهم، في الوقت نفسه، عقليات مغلقة من كل نوع، كانت تستغل الظروف السياسية لتقليم أظافرهم الطرية ولجم طموحهم الفني..).
وفي آخر أربعة أسطر من كتابه، كتب المؤلف: (منذ وقت مبكر جداً، كتب سركون بولص يقول: (إن هذ الجيل سيرفع البناء على أكتاف هزيلة، ولكنها شديدة الثقة، مصممة).
نترك القارئ مع كتاب (الموجة الصاخبة). فهو كتاب يُقرأ. عكاب سالم الطاهر-
افدت من الكتاب لولا أنه صدّره بما يشبه تصفية الحسابات أو "الردح الثقافي " وهو شيء تشترك به مؤلفات الستينيين للأسف لعل هذا ما جعلني أقل ثقة في المكتوب بصراحة أو لنقل أقل تقبلاً واندماجاً، على أية حال هو كتاب مهم حول تلك الفترة.
"إن هذا الجيل سيرفع البناء على أكتاف هزيلة ولكنها شديدة الثقة مصممة" سرگون بولص
يقدم سامي مهدي في هذا الكتاب مشهداً عاماً للجيل الذي نهض بحركة الستينات. اقتصر هذا البحث بين الفترة١٩٦٤-١٩٧٠ ليبتدأ سامي مهدي بالحركة الشعرية الستينية وروادها، بماذا تأثرت افكارهم؟! وما اذا كانوا جيلاً جديداً أو لا؟! ادوارهم المتباينة والاعتراضات على القول بظهور جيل شعري جديد، اذ يبين ان المعترضين على ذلك ثلاثة: إما محسوب على جيل الرواد أو محسوب على الجيل الجديد أو ضائع بين الجيلين!!
الجزء الاول يعرض فعالية شعراء الستينات او كما يسميهم داوود البصري تندراً (شعراء السچينات)، والتي بدأت من مقهى المعقدين والبلدية والبرلمان وغيرها من المقاهي، والتجمعات كجماعة كركوك المتمثلة بجان دمو وسرگون بولص وفاضل العزاوي وغيرهم من الشعراء، حيث انطلقت الرياح الجديدة في الأدب واخذت طريقها في الحياة الثقافية. اضافة لما ذُكر يتناول سامي مهدي بأسهاب الدور المهم للصحف والمجلات بأنطلاق هذه الحركة، بدءاً من مجلة "العاملون في النفط" بإشراف الأديب جبرا ابراهيم جبرا، وانتهاءاً بمجلة "شعر ٦٩".
في الجزء الثاني وهو الأهم، يطرح سامي مهدي تحولات النص في شعر الستينيين وما حققوه من تغيير ملموس في الشعر العراقي على المستويين المفهومي والشعري، حيث ذَهَبَ الشعراء للكتابة بلغة جديدة لغة استعارية غير اللغة السياقية التي درج على الكتابة بها الشعراء الخمسينيون. خَرَقَ الشاعر الستيني قواعد علم العروض وتمرد عليها، فكان شاعراً تجريبياً أعلن الحرب على كل ماهو خطابي ومباشر في الشعر، فخلق بنية للقصيدة الستينية تختلف عن بنية القصيدة الخمسينية لهذا وصفت القصيدة الستينية بالغموض، وكان لها تأثير واضح على الشعراء الخمسينين كالبياتي وسعدي يوسف إذ حاولوا الاستفادة مما توصلت اليه التجارب الستينية، فنجحوا في جوانب وأخفقوا بأخرى، لكنهم لم يستطيعوا بأية حال مجاراتها أو مضاهاتها.