يستوعب هذا المجلد من "موسوعة فلسفة الدين" مجموعة مساهمات لفلاسفة ومفكرين وباحثين مختصين بدراسة الدين في العالم اليوم.. تصدرته دراسة مطولة بعنوان: "تمهيد لدراسة علم الكلام الجديد" لمحرر الموسوعة: د. عبدالجبار الرفاعي، تلتها 18 دراسة تتسع لمواقف تحيل إلى مرجعيات متنوعة، وتكشف عن رأي كل باحث في كيفية تجديد علم الكلام، وما يدرسه من مسائل ترتبط باللاهوت وعلم الكلام. تؤشر النصوص إلى انفتاح الباحثين على مناهج متنوعة في البحث الكلامي، إذ استعان بعضهم بفلسفة العلم المعاصرة في الغرب، وعمل على توظيف معطياتها في تحليل المعرفة الدينية، والكشف عن تاريخية هذه المعرفة، فيما استعان آخرون بالهرمنيوطيقيا في تفسير النصوص وتأويل مدلولاتها. واستعار فريق ثالث مناهج ومعطيات متنوعة من العلوم الإنسانية الغربية، والإلهيات المسيحية الجديدة، ودشّنها بمجموعها في تفسير النصوص، وتحليل التجربة الدينية، والمعرفة الدينية. معظم النصوص التي يضمها هذا المجلد هي مساهمات لمفكرين غربيين وعرب ومسلمين، تم تعريب مساهماتهم من الانجليزية والالمانية والدانماركية والفارسية. لم تكرر هذه النصوص ما نشر قبل أكثر من عشر سنوات في مجلد بعنوان: (علم الكلام الجديد وفلسفة الدين) للمحرر أيضاً، والذي اتسع لمساهمات مفكرين وباحثين ايرانيين في هذا المجال. سيلتقي القراء في هذا المجلد مع مجموعة من المفكرين والباحثين العرب الذين دخل معهم علم الكلام والتفكير الديني آفاقاً جديدة، وقدموا اجتهادات تستحق المراجعة والنقد والتحليل، لاختبار مدى وفائها بما تتطلبه رؤية المسلم للعالم اليوم، ومواكبة اعتقاده لرهانات الواقع الذي لن يكف عن اثارة الأسئلة المتنوعة.
الدكتور عبد الجبار الرفاعي، مفكر عراقي وأستاذ فلسفة إسلامية، مواليد ذي قار – العراق، سنة 1954.حاصل على عدة شهادات أكاديمية منها دكتوراه فلسفة إسلامية، بتقدير إمتياز، 2005، وماجستير علم کلام، 1990،وبكالوريوس دراسات إسلامية، 1988، ودبلوم فني زراعي، 1975. وله رؤية فلسفية حول الإصلاح ومناهج التفكير الديني.
هذا الكتاب بحاجة إلى كوب من القهوة المرة التي تفتح مسامات الدماغ وتُسهل عبور المعلومات، لاسيما وأنه يحتوي على رسائل لفلاسفة عظام مثل كيركغارد وآراء فلسفية وكلامية لمجموعة من المتخصصين العرب وغير العرب.
علم الكلام باعتباره قواعد للعقائد هو علم تاريخي محض، تشكل في التاريخ وتطور بتطوره، فكان هناك ميلاد وتطور واكتمال ونهاية، وكانت مواضيعه موجهة ضد المخالفين في عصره، فكان إثبات الوحدانية موجهاً ضد الثنوية والمسيحية، والتنزيه موجهاً ضد المجسمة في الديانات القديمة، والقدم والأزلية ضد الثقافة اليونانية التي استعار منها مفاهيم الجوهر والعرض والزمان والمكان والعلة والمعلول، وإثبات الميعاد ضد القائلين بتناسخ الأرواح في الثقافة الهندية، أما اليوم فقد ظهرت فرق جديدة كالليبرالية والإصلاحية والعلمانية والصهيونية والشيوعية، فهل واكب علم الكلام هذا التغيرات في عصر الآلة؟
لعل وثيقة الاعتقاد القادري التي كتبها الخليفة العباسي في القرن الخامس الهجري هي أكثر الوثائق العقدية خطورة ليس بسبب مضمونها الذي وقع عليه الفقهاء ولكن بسبب ما ترتب عليها من القول بأن من خالفها فقد فسق وكفر، وبالتالي قُتل المعتزلة والرافضة والجهمية والإسماعيلية وتم صلبهم وقتلهم ولعنهم على منابر المسلمين، وكانت تتلى باستمرار في المناسبات الهامة حتى دعى من وقعها من المحدثين والعلماء إلى تكفير من لا تكفره الوثيقة القادرية.
بالرغم من رفض المتكلمين للفلسفة إلا أنهم سمحوا للمنطق الأرسطي أن يهيمن على أصولهم وحجاجهم مع غيرهم ولم يطوروه إلى أن هيمن منطق الفلاسفة المتأخرون مثل بيكون وديكارت وكانط وهيغل والذين أوضحوا أن الذهن ليست آلة تصوير جامدة، فعقل الأمس هي معقولاته وأحكامه ورؤيته للعالم أمس، وإن من أكبر عيوب ممارسة علم الكلام هو غياب الممارسة العملية عن صياغة الأفكار وعدم معاينة حضور الأفكار وأصداء تطبيقها في الحياة مما يحول العملية إلى تمارين ذهنية صرفة.
ستلاحظ إن عقائد أي دين عند الأوروبيين لا تكون جديرة بالاعتراض إلى هذا الحد ما لم تكن هذه المسائل أخلاقية أو قانونية، ويرجو الباحثون من الحوار الديني إلى أن ينتقل من مرحلة السجال اللاهوتي الذي ساد الألفية الثانية وكان هدفه ابتلاع الآخر إلى حوار لا يقتصر معاني الخير والجمال على دينه دون أديان الآخرين.
علم الكلام الجديد او تجديد لعلم الكلام؟ هذا العلم الموسوم أيضا بعلم العقيدة و علم التوحيد الذي يتّسم بالنزعة الدفاعية عن العقائد الإسلامية والاستدلال عليها.الحقيقة أن الإشكالية أعقد من مجرّد مشكلة بحثية واحدة متمثلة في التجديد. إنّ الأمر يتجاوز الإطار المفاهيمي إلى تجسيد صراع البراديغم عند التنويريين ، و تحوير مايسمى بالثابت من أجل تثبيت المتغيّر، إنّ التجديد اليوم في العلوم الإسلامية على غرار علم الكلام تحول من أطروحات تتعلق بالنهضة إلى آلية تأزيم لأغراض خاضعة للأدلجة.