رواية دبي صنعاء والعودة للكاتب عبدالفتاح حيدرة
=====
“الحرب يمكن إيقافها، لكن الشروخ الهائلة التي تتعمق في جسد المجتمع اليمني، لا يمكن مداواتها بسهولة”. ص. 177
رواية تؤرخ للحرب اليمنية الأخيرة والعلاقات العشقية المحرمة منذ إستيلاء الحوثيين على السلطة في صنعاء في أواخر سبتمبر 2014 وتمتد الأحداث على مدار عام كامل حتى 26 مارس 2016.
أدار الكاتب عبدالفتاح حيدرة الرواية بكل سلاسة، معاناته كصحفي نحو أبناء وطنه من صنعاء إلى عدن ومن تعز إلى مأرب إلى كل فرد ومدينة أُريقت فيها الدماء، والظروف السيئة التي يرزح تحتها اليمنيين: انهيار الدولة وخدماتها، وانعدام المستلزمات الرئيسية كالغاز والبترول، والآثار المدمرة للحرب.
شرح في قالب درامي يمر بالشخصيات والحوارات كيف بدأت الحرب في اليمن، وكيف انقضّ الحوثيين على السلطة، وكيف دخلت دول التحالف العربي الحرب بقيادة المملكة العربية السعودية، وقيادة الإمارات القوة الهجومية التي طردت الحوثيين من عدن ولاحقتهم حتى قاعدة العند الجوية.
ومن أول صفحة في الرواية المكتوبة في 320 صفحة من القطع المتوسط تلمس بوضوح الروح الإنسانية عند الكاتب، الذي تبحث شخصياته عن اليمن فحسب منتقداً بشدة المناطقية والعصبية والسلالية واصفاً شرورها ومساؤها، وهو حين ينتقد من يلجؤون لهذه التعصبات الخطيرة، ينتقد في الوقت نفسه الحكومة الشرعية وضعفها وعجز رئيسها الذي ساهم في تدهور الأوضاع قبل فراره إلى المملكة العربية السعودية.
تصعد شخصيات الرواية التي سنتعرف عليها من خلال مقايل القات في منزل (العم قاسم بصنعاء) الذي يجمع اليمنيين من كل الاتجاهات الحوثيين وخصومهم، من يقف إلى جوار شرعية هادي ومن لا يعترف بها. يساريين ويمينيين وعاشقين. تركيبة عجيبة يجتمعون في مجالس القات ويناقشون أرائهم بكل حرية ثم ينصرف كلّ واحد إلى حال سبيله دون أي حقد أو ضغينة للآخر.
تسيطر شخصية “محمود” على الصفحات الأولى كيمني يبحث بتوتّر عن العيش بسلام، وعندما يستاء مزاجه يلعن نفسه ويلعن الحرب ويلعن اليوم الذي ولد في هذه الدولة المنكوبة بالزعماء الفاسدين، يصرخ: “هذه البلاد ملعونة بزعمائها، لقد قلتُ لك ذلك من قبل، وأحياناً أشعر بأنني أيضاً ملعون، وفي ساعات اليأس البارد، أسأل الله لماذا خلقني في وسط هذا الجحيم ؟! ثم أعود وألوذ به سبحانه، وأتمنى النوم إلى الأبد”. ص. 111
شخصية “كمال” الذي تعبّر عن البراءة والحب في زمن الحرب والإقتتال الذي وقع في حُب فتاة تنتمي لجماعة الحوثيين “نادية” بطريقة غريبة تشبه الظروف التي ينتجها المجتمع المغلق تجاه العلاقات الثنائية، وخلال الرواية تمر العلاقة العاطفية التي تجمع الشخصيتين بمنعطفات حادة تعصف بالعاشقين، لكنها أحداث مرتبطة بالحرب وتطوراتها، وكأن كمال ونادية قد قررا مواجهة الحرب بالحب والمزيد من الحب. لكن النهايات المفاجئة والغريبة قد تصدم القارئ وتخيب رجائه.
وهناك شخصية “شريفة” الفتاة التي سنعرف لماذا فرت من القرية وكيف تحولت إلى نجمة مغرية في حفلات المجتمع الراقي في صنعاء قبل أن تتعرف على محمود ويتغير مجرى حياتها تماما، وستفهم لماذا أسماها الكاتب “شريفة” عندما تقرأ الرواية.
يأسرك الكاتب بالتفاصيل الصغيرة ولا تشعر بالملل وأنتَ تقرأ الرواية تشدّك الأحداث فصلاً بعد فصل وتسير إلى جوار الكاتب على طول الطريق الطويل من وسط اليمن في صنعاء وحتى حدود البلاد الشرقية مروراً بسلطنة عمان وحتى العودة إلى دبي.
أدخل الكاتب بعض من فصول رواية “فرانكشتاين في بغداد” والمسخ الذي صنعه بطل الرواية هادي العتاك بكل مهارة حين ربط أحداث الرواية بالواقع الحالي الذي استغله الحوثيين باسم المظلومية:
“أعرف الآن لماذا حظيت الرواية بالإهتمام، لدينا في المنطقة العربية الكثير من المسوخ الذين يخوضون حرباً ضد أبناء منطقتهم، وجيرانهم، وهم أثناء ذلك يجمعون المؤمنون من حولهم يوماً بعد يوم. في اليمن تبدو القصة قريبة من الحوثيين، فعلى مدى السنوات الماضية جأروا بالشكوى كونهم مظلومين، وكانت المظلومية هي التي توقد نار الحرب والإنتقام في قلوبهم، استدعوا المظلومية من أيام الحسين، وحروب صعدة، وعندما تهيأت لهم الأسباب، انتقموا من خصومهم، ثم تحولوا إلى مجرمين، ولم يعد أحد منهم يدرك الآن متى كانوا مظلومين أو متى أصبحوا مجرمين وقتلة!”.
مدينة “دبي” التي كانت في مخيلتهِ عبارة عن صحراء وصلها خائفاً بائساً دون وظيفة أو مال، فقط شهادة تخرج من الجامعة جعلته مزهواً بنفسهِ وبثقافتهِ ولكنهُ صدم بحضارة لم يتوقعها وبتخاطب أغلبية ساكنيها اللغة الإنجليزية التي كان لا يتقنها آنذاك، ثم انصهاره في هذه المدينة التي احتضنتهُ ومنحتهُ كل ما يتمناه فشعر أنه في وطنه وليس مغترباً:
“المدن التي نحبها وتمنحنا القدر الكافي من الطمأنينة والإستقرار هي أوطاننا في هذه اللحظة، وستبقى كذلك حتى اللحظة التي نفقد فيها الأشياء التي لأجلها بقينا فيها وأحببناها”. ص. 218
تستشعر الصدق والأمانة حين عبّر عمّا يجيش في عقله من عواطف وهواجس، مشاعره التي تختلج في نفسهِ وزعها على كل شخصياته وأفرغها فيها دون خشية من النقد ودون إلباس نفسه ثوب البطل الذي لا تهتز له شائبة.
اختار الكاتب بعناية فائقة إفتتاح كل فصل من فصول الرواية بمقتطفات من قصائد الشاعر “عبدالله البردوني” التي تحوي الكثير من الحكم، فأعطت زخماً جميلاً لكل فصل من فصول الرواية.
تتعقد قصص الحب وتزدهر الحرب فتهرب بعض شخصيات الرواية إلى أثيوبيا هرباً من أخبار الحرب وبحثاً عن شجرة القات، وهناك نكتشف أثيوبيا الجميلة، الناس الطيبين والبلاد الواسعة الخضراء، لكن القات هناك وقد صعد إلى رأس "هشام" فإنه يثير على لسانه الأسئلة الخطيرة عن الدين والحركات الإسلامية العنيفة، يعود هشام إلى زمن هجرة الصحابة إلى الحبشة ثم يطرح الأسئلة ولا يجد إجابات، وفي الرواية يدور الحوار التالي:
ـ ماذا لو كنا مخطئين؟ ماذا لو اكتشفنا أنهم على حق وهم مَنْ يمثلون الإسلام؟
حفر السؤال ثقباً بارداً في رأسي، لحظة صغيرة أطلّ فيها رعب هائل واختفى فجأة، تاهتْ الإجابات، وقفز إلى لساني سؤال خائف:
ـ ما الذي يجعلك تطرح مثل هذا السؤال؟
تردد قليلاً، قبل أن يعصر الوجع ملامح وجهه:
أريد أن أعرف فقط .. ولذلك أسأل".
رواية جميلة تستحق القراءة جمع فيها الكاتب الأحداث التي حصلت في اليمن مع أحداث حصلت في العالم العربي والغربي، اعجبني غزارة المعلومات الذي أوردها في الرواية فلم يدع شاردة أو واردة إلا وساغها بكل براعة بين ثنايا الرواية الذي كتبها.
===
مقتطفات من الرواية:
“اكتشفنا النفط فزدنا فقراً، واكتشفنا الغاز فبعناه بيعة سارق”.
“لماذا هذا الفرح كلما اقتربت من الحدود وابتعدت عن الوطن؟. الوطن.. الوطن..، كيف يمكن تعريف الوطن في هذه اللحظة، الآن في هذا الوقت بالقرب من نافذة الحافلة”. ص. 121
“كل شيء عظيم في هذا الكون له أصل يمني، وكل نابغة أو عبقري في تشيلي أو في أقاصي كوريا هو بالضرورة يعود لأصول يمنية، ما العالم إن لم يكن اليمن!.. هل كنا مخدوعين؟”. ص. 121
“الحرب يمكن إيقافها، لكن الشروخ الهائلة التي تتعمق في جسد المجتمع اليمني، لا يمكن مداواتها بسهولة”. ص. 177
“لا يمكن أن تفسر هذه الحروب على أساس المذهب والمنطقة، أظن الأمور ليست على هذا النحو، المذهب والمنطقة وتاريخهما يساعدان على فهم الحرب، لكنهما ليس كل الأسباب”. ص. 169
“يا للأهوال والعذابات التي جلبها الحوثيون وهم يجتاحون صنعاء، أغرقوا البلاد بالدم والآلام. أشعلوا الحرب بالضلالات، وتكفلت المعارك بالباقي: قادت الناس إلى القتل، وساقت الأحزان إلى كل بيت، ومن نجا أدار ظهره وهو يغمغم: هذه البلاد ملعونة”. ص. 211
“المال يشتري السلاح ويفسد الحب، لكن الحب يشتري السلام وينقذ القلوب”. ص. 233
“إن الحرب لا تهزمنا إلا إذا قررنا نحن ذلك”. ص. 311
“كل عين تحكي قصة، وكل قصة تنتهي بالدم. وكل قطرة دم تتشبث بعنق مَنْ ساقها إلى الموت، من مسؤولين فاسدين وعسكريين خونة، ورجال دين كافرين، ومشائخ قبائل بلا أصل”. ص. 313