في صباحات بعيدة كانت السيارة تنطلق بها متجهة إلى مدرسة كفر الزيات الثانوية بنات، تخرج رأسها الصغير من النافذة التي كُسر زجاجها في إحدى المرات التي تشاجر فيها سائق الأجرة مع راكب اختلف معه في تقدير ثمن التوصيلة، تلفحها الشمس تارة، ومرة يطوح النسيم خصلة شعرها التي تحررت من الضفيرة التي تُصر أمها عليها وإن كانت في الصف الأول الثانوي، حيث يُترك للبنات تصفيفه بأي طريقة. تجري السيارة على الطريق الممتد من بلدتها إلى كفر الزيات وهو طريق يربط بين عاصمة الأقليم – طنطا – ومدينة كفر الزيات الواقعة على فرع رشيد، وقريتها الصغيرة تقع على بعد اثني عشر كيلومترا من كفر الزيات ودائما ما تُخلف السيارة وراءها ستائر من تراب، فالطريق مازال ترابيا ولم تصبه يد الأسفلت بعد. مثل هذا التراب واجهها في طريقها إلى محطة المترو رغم غضبها من قائد السيارة المسرعة التي لم تراع من يمرون في الشارع الذي يمتلأ حفرا بفعل شركات الصرف وما تصنعه من تجديدات، إلا أنه ذكرها بطريق قريتها، فاللحظات القديمة تبقى شاخصة تنتظر من يوقظها.
في اشتياق للحرية وللخروج عن المألوف وفي آفاق لا يراها أحد غيرها تكتب د.فاطمة الصعيدي عن حكايا تاء التأنيث الساكنة مجموعتها الأولى بلغة الأستاذ المجرب الذي يدعونا لقراءة ذاته في قفزات للزمان والمكان جديدة وموحية تدفعنا للخروج والانطلاق من المحدود إلى الطيبة والفطرة والبراءة والجدل الذي يحيي مشاعر كم افتقدناها في أيامنا تلك، ففي دفتي كتاب وضعت لنا سيرتها الذاتية في سني عمرها الأولى في جمل رشيقة وموحية تتجاوز بها اللغة إلى براءة الطفولة وأوجاع الفقد ومرور الزمن بوصف جميل لحرمة المكان وقداسة الإنسانية المفتقدة واحترام الحذور مع مراعاة التطور، فهي تحمل في طياتها الأب الرمز العاقل صاحب كل الحلول والأم المعبرة عن الإنسان الذي يحمل معاني وذكريات قديمة لا تمحى، وفي جملة عبقرية تأخذنا إلى ملمح جيلها الذي يخشى الخطأ وإن كان محتملا ، وفي "قصتها أم الحرش تفتتح بجملة عبقرية أخرى تعبر عنها وعن شبيهاتها وهي تقول: "لهب عميق يختفى تحت قسمات الوجه الهادئ تحية للإبداع الجرئ الجميل من قارئة عاشت نفس الحقبة بحنينها وجمالها مع كلمات فاطمة الصعيدي.
عندما يجافينا الواقع وتعترينا الغربة ويستحوذ الماضي بجمالياته على حضورنا نقاوم الانسحاب ومظاهر القبح بالقدرة على الحلم الذي تندّت أخصب براعمه في يد الطفل الصغير الذي لوّن الدنيا بطاقاته قديما مصاحبا الحياة بمتعة الانطلاق في حيزه الصغير المرسوم له بأيدي الكبار ليتخطاه بشغف التطلع و روح الاكتشاف وفطرة التحرر والتساؤل والعناد والبراءة.. يوم أن كانت الحياة تدين لذلك الفيلسوف الصغير الذي أتقن فن الضحك في وجه عبوسها والزهد في مغرياتها ومفاتنها وتفتّح وعيه الفطري الذكي مُحاورا صفحاتها بحثا عن وجوده فارتسمت لحظاته البريئة البسيطة العابرة فلسفة يُستقى منها فنون التعايش والتسالم مع الدنيا يقاوم انكساراتها بالحكي الماتع والإصغاء الشغوف .. ستشاهد الطفلة الذكية وهي تتنقل بين ورقات العمر في صحبة أبطال القرية النبلاء وعاداتهم الجميلة وتقاليدهم الصارمة وستسمع صوتها مترددا مخترقا سكون عباءة الخوف والحرج رافضا القيود منسابا مع أنداء توق النفس للاكتشاف والتجريب .. ستحتاج إلى صحبة صغيرك الذي يسكنك كي تنطلق معها في صفحات الذكريات وتقلع في رحلة جميلة لا تنتهي.. خالص الأمنيات للأديبة المبدعة د.فاطمة الصعيدي بدوام التألق و ثراء المداد..