الكتاب يتكلم عن تاريخ البحرين قديماً والتي كانت تُسمى بـ “أوال” ويشرح أهمية موقعها الجغرافي، ووضعها الاقتصادي إبان العشرينات والثلاثينيات من القرن الماضيّ في تجارة الؤلؤ بيّن البحرين والهند.
لقد اتقن الشيخ محمد علي التاجر ما اتقن بهذا السفر البديع المشتمل على تاريخ البحرين، كتب الكتاب في ثلاثينيات القرن الماضي على يد هذا العالم الديني والمثقف الرائع، وكم استعجبت من سعة اطلاعه والاهم من ذلك هو فهمه الدقيق للشخصيات التاريخية وحياده وعقلانيته، فها نحن بعد تسعين سنة من كتابه على مستوى الباحثين التاريخيين اقل وعيا وفهما منه ، فما بال العلوم الانسانية تتراجع في العالم لا أعرف.
والحقيقة ان قارئ الكتاب لا يريد ان يدع هذا الكتاب قبل ان يكمله من جمال اسلوب التاجر وجزالة الفاظه وتشويق قصصه التي تحير الاذهان
فتكلم عن البحرين وجغرافيتها وقراها ومدنها وعن الزراعة واللؤلؤ وغيرها وتكلم عن تاريخ البحرين وحكامها ووقائعها منذ الاف السنين الى ثلاثينيات القرن الماضي، وما شدني اكثر هو قراءة العصر الحديث من تاريخ البحرين، والكتاب جريء جدا ويروي احداث لا تقال، ولا اعلم اذا كان متحاملا على احد او مداهنا لأحد او متأثرا بأحد فاحتاج ان اقرأ اكثر لاستطيع ان احكم على منهج الشيخ التاجر ومقدار الابداع والتميز فيما قدمه عن غيره من المؤرخين، ولكن ما وجدته من سرده للتاريخ أنه انسان واسع الأفق كثير الثقافة ويعرف كيف يقرأ التاريخ ويفهمه بحكمة وموضوعية، وربما لعلقيته التجارية فإن نظرته تميزت بالواقعية وبعدها عن المثاليات والعاطفة والعصبية، وكان يحاول تعقل جميع وجهات النظر والتقريب بينها قدر الامكان، ولا شك ان نظرته تبقى جهد بشري يتعاوره النقص والقصور
كعادة التاريخ والذين يكتبونه انهم لا يركزون على حياة الشعوب كثيرا .. ولا يذكرون الا بعض الافراد والجماعات الذين يبرزون في المشهد السياسي، وهذا هو ما وقع فيه التاجر هو الآخر اذ لم نعرف موقف هذه الجماعة البشرية او تلك في احداث التاريخ حتى لو لم يكن هناك دور لها او كانت هامشا في المشهد، فالتاريخ يعلمنا ان الزمن يدور المكونات الاجتماعية ويجعل الهامش متنا والمتن هامشا باستمرار.
يعد هذا الكتاب من الكتب الموسوعية والتي كتبت في التاريخ الحديث للبحرين، والذي ألفه الشيخ محمد علي التاجر. ما يميز الكتاب هو رصانة اللغة العربية فيه والروح القديمة في التعبير ووصف الأحداث التاريخية، وكذلك التفصيل الدقيق في بعض الجوانب سواء كانت اجتماعية أو اقتصادية أو مادية، كما أن الكتاب مليء بالوقائع المهمة التي حدثت من القرن 17 الى 19 بالتفصيل الممل، وهذا ما يطفي الثقل التاريخي للكتاب.
ما يشكل سلبية في الكتاب من ناحية الموثوقية التاريخية بمعايير اليوم، هو اعتماده على الأساطير والمرويات التاريخية والشفهية. ونلتمس العذر للمؤلف كون تلك الحقبة لم يكن لعلم الانثروبولوجيا وزن يذكر في فهم التاريخ الانساني، فقارئ اليوم قد يشعر وكأنه يقرأ سطور من الأحداث باسلوب الحكواتي وهذا الشائع قبل اعتماد علم الانثروبولوجيا والبحث العلمي الدقيق. ومن سلبيات الكتاب أيضًا هو عدم دقة التواريخ المذكورة، فأغلبها وضعت خاوية أو ذكرت بأرقام بعيدة عن التاريخ الأصلي.
في الختام، أعتبر هذا الكتاب كنز مهم لفهم بعض الأحداث التي حدثت في البحرين، والتي اغلب مصادرها مدونة على السطور أو من حكايات كبار السن والأجداد، فهذا الكتاب كنز وقد استشهد الكاتب من كتاب ناصر الخيري (عقد اللآلئ لتاريخ أوال) وقد نسخ صفحات كاملة منه فكان له جانب في تجميع أو الاطلاع على صفحات من كتاب الخيري قبل تجميعه ونشره بعد فقدانه خارج البحرين.
مجهود كبير قام به المؤلف، كتابته سلسة و واضحة أبتعد فيها عن الإطناب و الحشو و السجع الذي إعتدناه و كَثُر ما صادفناه في كتابات علماء الدين. و لكنه للأسف لم يكمل الكتاب، حيث وافته المنية قبل ذلك، و لقد كنت متشوقاً لقراءة قسم الأدباء الذي كان يلمح له بين كل فصل و فصل، لكن مع تقلبات الصفحات و هزولها، أتضح بأن هذا القسم هو الذي وقع عليه الإختيار بأن لا يُكتب. و نظراً لقِدَم الكتاب، و سرعة تغير و تطور الآراء بما يتعلق بتأريخ فترات ما قبل الميلاد و تحديداً الفترة البرونزية، يجب علي أن أنوه بأن الفصول التي تتعلق بتاريخ البحرين في تلك الفترة، هي خاطئة بشكل عظيم، و لا لائمة تقع على عاتق المؤلف طبعاً، فهذه هي سنة التأريخ، لكن تقع عليه لائمة رفضه بعض الفرضيات ليس لسبب إلا لكونها لا تتوافق مع ما يخبرنا به القرآن، فهو رفض أن تكون مملكة سبأ قد أسست في ما بعد القرن العاشر قبل الميلاد، ليس لشيئ إلا لكون ذلك يتعارض مع تزامن فترة حكم "بلقيس" ملكة سبأ مع زمن سليمان!.