انطولوجيا الشعراء العراقيين الذين قتلهم نظام البعث من العام (1968 - 2003 ) حقق الكتاب وقدم له الكاتب حيدر الكعبي، تناول الكتاب الشعراء الشهداء الذين أعدمهم صدام وهم (خالد الأمين ومهدي طه وعبد الجبار عيسى ورياض البكري وعبد الحسن الشذر وغازي الفهد وأحمد عباس المياح وخليل المعاضيدي ومناضل نعمة وحسن مطلك) هناك ملحق للكتاب لشعراء لم يعثر المحقق على قصائد لهم ، وهم ( قيس حيدر وعبد الجليل الزبيدي وجواد الربيعي
إلى جانب الفوز بوسام البطولة، والاستمرار بالنضال والرفض للسلطة الاجرام ية، ورغم المرارة التي احسست بها وانا ارتحل مع مجاهدين القلم، من يكنسون اشواك الشر بمواهبهم المجيدة، لاحظت ان اغلب الشعراء المذكورين هنا قد اشتغلوا في سلك التربية والتعليم، وهذا ما جعل الاحساس بالإنتماء يزداد لدي.. ما أجمل أن تخط تاريخك العظيم وتبقى مخلداً بأعمال الخير والشجاعة.. وما اقبحك حين تناصر الطاغية وتطبل له شعراً وفناً.. يجب على الموهوب تكريس مواهبة للإنسانية واحقاق الحق.. لكي يكون جديراً بها. لا احترم أقلام العبودية والخضوع. كل الحب والتقدير للثابت في موقفه المعلن لرفضه التام لكل الانظمة والشخصيات القامعة والمستبدة طغياناً وخرابا.
لما خسر الزنج الفقراء المعركة الأولى ، انتزعَ البحارة من جسدي أيقونةَ مَنْ أهواهُ ورائحة البحر .. البرية ، صرتُ غريباً في البحر والبحرُ غريباً صار ، حنى عينيهِ الماءُ حزيناً ، مثلي كان الماء في البحر ، المحنة أن لا ساحل للنوتيّ المطرود فكتبتُ لمحبوبي في صدر قميصي ما قد كان وما سيكون وكتبتُ : يا محبوبي .. اطرحْ كفيك سواحلَ من دفلى علقتُ قميصي فوق الماء ودعوت طيورَ النورس مأخوذاً بمجيء الفجر ، لتحملَ للمحبوب قميصي ، مرتْ حاملةً أسباخ البحر إلى الصحراء الماءُ يعيد إلى كتفيَّ قميصي مكتوفاً ، أبيضَ من يحملُ للمحبوب قميصَ النوتيّ ؟ مَنْ يمنح في هذا البحر الممتدّ لهذا النوتيّ المطرود طريقاً للبر ؟ مَنْ يحملُ جثةَ هذا النوتي المقتولِ إلى البصرة ؟ مَنْ؟ لا غير البحر ... !
البحرُ غريبٌ مسدود الشطآن ، وزنج البصرة مستبخون ، ... يجرون السفن الهندية حتى أبواب التجار فالصاحب لم يرسلْ للزنج نوارسه ببشارات العتق الصاحب محكوم بالصلب لتحريض الزنج الفقراء على التجار الليلة لن يخفيه نخيل البصرة أو صلوات الزنج عن الدرك ... السري وإيماءات فوانيس الجند
يا محبوبي لا عاصمَ في هذا الليل للصاحب من لوح الجلد لا عاصم في هذا الويل للعاشق من طوفان الوجد يا محبوبي .. ويموت العاشق في جسد النوتي ، فكل المعشوقات هربن مع البحارة في سفن الهند والزنج عصافير تتدلى راعشة فوق القطط الوحشيات والصاحب مصلوب في قمصان التجار يا محبوبي ، لو كنت هناك أتبكي ، أم تتشفى من ... ... معشوقٍ مات ؟
لما دخل الزنج الفقراء المعركة الأخرى ، ناديت على محبوبي ، إذ منحتني المحنة صوتاً محتجاً لا توقفه شارات طريق القلب : يا محبوبي المتأرجح بين الوصل وبين الهجر ولا تختار إني أتعذبُ في الما بين ، وليل البصرة ممتدّ كالبحر ، ... ... وزنج البصرة يقتتلون مع التجار ، وقلبي فانوس في حضرة عشقك مشتعلٌ تحت الأمطار يا محبوبي .. إما أن تمنح عشقكَ للزنج الفقراء وإما للتجار
الليلة حين مررتُ تحاور بينهمو عمال البحر ، أشاروا لي ... بأصابعَ مُذْهبةٍ بالتبغ : هذا النوتي البارحةَ البحارةُ قد قتلوه ..!! هذا النوتي له ـ صهْ لا تسمعه ـ له محبوب يقتله تجار البصرة في هذي الليلة . في هذي الليلة أغفو في جسدي ، لا خوفاً من دركيٍّ في الدركِ السري يلاحقني ويعدّ خطايَ ، ... ... ويكتبُ : مَرَّ على زنجيّ صافَحَه ، اختبأتْ بين الكفين حمامةُ طفلٍ زنجي ، ثم افترقا ..! لكن لأراك ، فحضرة عشقكَ في جسدي ورأيتكَ ـ طاوعتُ الكلمات وقلتُ رأيتك فانوساً يتوهج في ليل البصرة ورأيتُ طيور النورس وهي محملة برسائل عشق للعشاق ... تعود لتذهب وهي محملة برسائلهم للمعشوقات ، ... تعود لتذهب ، ثم تعود لتذهب ، ثم ، بأجنحةٍ لا تثقلها الأسباخ تعود لتذهب ... ... بين البحر وبين الميناء ورأيت الصاحب ملتفاً بالماء وبالعشب البري ، مساء ... ... يخرج مصطحباً عشاقَ وزنجَ البصرة والآتين من المدن الأخرى ومغني البصرة ( تومانَ ) المفتونَ بألفِ هوىً ، بقواربَ مفروشاتٍ بالدفلى للنزهةِ ... يخرجُ في ضفةِ العشّار .
نشرت في مجلة الأقلام / العدد 11 ـ السنة الثامنة 1973
«غيرته الأغاني فهو الآن يعزف منفردًا كاسرًا عوده والربابة والناي تعزف فوق يديه يداه ليس تتبعه جوقة، أو يرد عليه صداه وهو الآن أعمى.» - عبدالحسن الشذر، رحمه الله ورحم جميع من ذكر ولم يذكر
قرأته وانا اتمنى الا ينتهي، كلما قلبت صفحة تعجبت اكثر لكم الشعراء العظام الذين لم نسمع او على الاقل اسمع بذكرهم في هذا الزمان، اعتقد اننا ندين الكاتب حيدر الكعبي على هذه المبادرة الجميلة. اكثر الشعراء الذين احببتهم واتمنى بالفعل ان اقرأ شيء من دواوينهم طه مهدي "أنا اتقنتُ لُعبَةَ موتي وما زلتُ اجهلُ حبي" " لقد شنقوا في فمي كلماتي"
والشاعر عبد الحسن الشذر "ماذا؟ أأنتَ تقودني، أم نحنُ مُقتادان في الطرقِ الظليلة؟ ضيعتُها واضَعتَ كفَّ دليلك الحبشي خلفك ونسيتَ من فرط التسكع مرةً اخرى عصاك؟ ماذا دهاك؟"
احمد عباس المياح وخليل المعاضيدي..
لكن اكثر ما يثير الحزن في هذا الكتاب كون اغلب بل وربما جميع من ذكروا تم اتلاف اشعارهم بالكامل ولم يتبقَ منها سوى مقتطفات وبعضهم لم يتبق منهم حتى الكلمة.