يوميات قراءتي لكتاب برزخ العالم الثالث مذكرات سجين في مكان سحيق لـ علاء الدين المدرس.
ـ كُتب هذا الكتاب في رحم المعاناة داخل السجن فهو صورة مطبوعة عنه، تلمس في كلماته أحزان السجين وانكساراته وآماله وتفاؤلاته، كل حرف فيه كتبته يراع لجسد يئن من المرض والخوف والظلمة والجوع والبعد عن الأحبة والخوف من المستقبل المجهول.
ـ الحصار الجائر الذي فُرض على العراق في التسعينات كان الغرض منه تفجير المجتمع العراقي ليثور على نظام صدام حسين لكن هذا النظام حمى نفسه بأن شن حملة على كل من يساهم في إضعاف العملة العراقية أو احتكار السلع أو غيرها من المخالفات الاقتصادية التي تزيد معاناة شعبه، غير أن الفساد الذي نخر الإدارة العراقية وقتذاك جعل حاميها حراميها فكانت السلطات الاقتصادية تستدرج التجار بطريقة غير نظامية وتغويهم للوقوع في هذه المخالفات ـ التي كانت شائعة وقتها ـ حتى تستولي على جزء من أموالهم ويتقاسمها زعماء المافيا فيما بينهم، وكان المؤلف وبعض رفاقه ضحية لهذا الاستدراج بحسب ما يرويه.
ـ يورد المؤلف لسبب سجنه قصة أخرى ينقلها عن أحد أصدقائه، ويثبتها في هامش كتابه، وهو أن المؤلف له نشاط إعلامي إسلامي ودور في طبع الكتب الإسلامية الممنوعة، فأراد نظام صدام حسين إيقافه ومعاقبته فلفق له هذه القضية، وفي اعتقادي الشخصي أن نظام صدام لا يحتاج إلى تلفيق هذه القصة، لأن تهمة طبع كتب إسلامية ممنوعة، أو الانتماء إلى تيار ما كافٍ لإعدام صاحبه فكيف بسجنه.
ـ كتب المؤلف كتابه في السجن وهو يكابد ظلمة السجن وعسف السجان، يخشى أن تقع أوراقه في يد أحد السجانين فيكون في ذلك زيادة لمعاناته، وهو لا يتحوط أثناء كتابتها وتسريبها خارج السجن فقط بل يكتبها وقلبه يهجس بما سيفعله به النظام لو قرأ ما كتبه عنه في السجن، لذلك تجده يكتبها بأسلوب لا يُستدل به على صاحبها، ويتبع طريقة في المواربة تُخفي على القارئ البلد الذي تقع فيه أحداثها، غير أن القارئ الفطن لا يلبث قليلاً حتى يعرف أن العراق هو المكان الذي تدور فيه وقائع هذا الكتاب، فمن غيره يمارس هذا العسف المبالغ فيه؟! ومن غيره يتشدد في المخالفات الاقتصادية إلى درجة الوصول إلى قطع الأطراف والأعناق؟!
ـ للرؤى والأحلام حضور لافت في هذا الكتاب، والمؤلف يحتفي بها ويعوِّل عليها كثيراً، ويفسر بها الكثير مما سيحصل له!
ـ يعترف الكاتب أنه بكى كثيراً في السجن! ويدافع عن ذلك ويلتمس لنفسه العذر والدليل الشرعي والمنطقي، وأتفق معه فيما ذهب إليه؛ لأن الله لم يمنح النساء والأطفال وحدهم القدرة على البكاء، فحتى الرجال يرغبون في البكاء أيضاً عندما يُكسرون أو ينكسرون.
ـ الصورة التي يرسمها المؤلف للسجون العراقية قاتمة جداً ومخيفة، وإذا كان هذا الحال في السجون العادية فكيف بسجون المعارضين السياسيين؟!
ـ من أجمل ملامح الكتاب أنه كتب بروح إيمانية مشرقة بالتفاؤل، وممتلئة بحسن الظن بالله، روح لم تقيدها أغلال السجن وأحزانه أن تنطلق إلى رحابة العبادة وتلاوة القرآن، والأنس بذكر الله ومناجاته.
ـ كان بعض السجناء يقضي بعض ساعات يومه واقفاً ليتيح لبعضٍ آخر أن ينام بسبب ضيق الزنزانة التي تجمع العشرات منهم، وسؤالي: هل كان النظام العراقي يتعمد ذلك إمعاناً في عقابهم أم هو واقع السجون العراقية آنذاك، وشكايتها من كثرة السجناء وندرة العفو عنهم؟!
ـ يجذبك إلى هذا الكتاب أن نصوصه مكتوبة في السجن، وهذا يمنحه صدقاً وصراحة وحميمية، لكنك إذا تذكرت أن الكاتب يواري في كتابه ويعتمد التعمية أضعف هذا من استمتاعك به واستفادتك منه، وكم من مرة ذيَّل الكاتب صفحات كتابه بتعليقات في الهامش يعترف فيها أنه اضطر إلى تغيير جزء من هذا الاسم أو ذاك العدد أو تلك القصة حتى لا يفتضح أمره لو وقعت بيد السلطات، وأخشى أن يد التبديل والتغيير كانت أطول وأكثر مما اعترف به المؤلف، ومن ذلك مثلاً أن صاحب الكتاب ذو خلفية شرعية ومتدين ونصه في سياقه العام ذو مسحة دينية ظاهرة، ومع ذلك فإنك تجد مقدمته وخاتمته تتكلم عن الأفلام السينمائية والتعويل عليها في تغيير المجتمعات في امتداح بيِّن وثناء صريح، فهل كان هذا أيضاً من المواربة أم هو رأي المؤلف واعتداله بحسب ما تشير إليه بعض تصريحاته المبثوثة في مواضع عدة من كتابه؟!
ـ لعل من أبلغ الصور على قسوة السجون العراقية وبعدها عن احترام الإنسانية تكديس غرف السجون فوق طاقتها بحيث يجتمع أكثر من خمسين سجيناً في مساحة لا تتجاوز العشرين متراً!
ـ لم يتناول الكاتب صورة "السجَّان" على نحو مفصل واكتفى بإلمامات يسيرة وسريعة، تُراهُ يخشى يوم تقع الأوراق بأيديهم فيكيدوا له؟!
ـ كنت أنتظر من هذا الكتاب أن يغور إلى أعماق النفس فيكشف عن عذاباتها على نحو أكثر شمولاً مما قرأته.
ـ طبع هذا الكتاب مرتين، مرة عام 1995م وبنسخ لا تتجاوز العشر من مكتب عمر المختار للتنضيد الالكتروني ببغداد، ومرة ثانية بعد سقوط صدام عام 2003م من دار كيوان بدمشق.
ـ رغم أن الكاتب له باع طويل في تأليف الكتب بحسب ما تدل عليه قائمة مؤلفاته المثبتة في كتابه فإن كتابه هذا مصاغ بأسلوب ضعيف يغلب عليه التكرار والإسهاب، وأتفهم جيداً أنه كتب في ظروف السجن، وتأثر بقيوده لكن كان يسع المؤلف إعادة صياغته ثانية بأسلوبٍ أشد تماسكاً وتبويبٍ أكثر دقة.
ـ ومع هذا يظل الكتاب إضافة فريدة إلى مكتبة أدب السجون في العراق، ولا يستغني عنه أي قارئ نهم لهذا الأدب أو باحث فيه، وأنا الآن في صدد قراءة كتاب آخر للمؤلف هو "تحت رماد الحرب العاصفة أسرار حرب العراق" لأرى ماذا فعل الله به بعد سقوط السجن والسجان.