هذه القصة عن كتاب "البئر الأولى" لجبرا إبراهيم جبرا وهي تحكي عن طبق "الهيطلية- أرز بالحليب" وما يحدث قبل وأثناء وبعد إعداده، القصة تصف بدقة فرح الطفل بهذه الوجبة، وانتظارها، وتدفعنا إلى البسمة أغلب الوقت.. فماذا إن قلت لأحد أصدقائك أن أمك أعدّت هذا الطبق الشهي، ثم كذّبك؟
جبرا إبراهيم جبرا هو مؤلف و رسام، و ناقد تشكيلي، فلسطيني من السريان الأرثوذكس الاصل ولد في بيت لحم في عهد الانتداب البريطاني وتوفي سنة 1994 ودفن في بغداد انتج نحو 70 من الروايات والكتب المؤلفة والمترجمه الماديه ، و قد ترجم عمله إلى أكثر من اثنتي عشرة لغة. وكلمة جبرا آرامية الاصل تعني القوة والشدة درس في القدس وانكلترا وأمريكا ثم تنقل للعمل في جامعات العراق لتدريس الأدب الإنجليزي وهناك حيث تعرف عن قرب على النخبة المثقفة وعقد علاقات متينة مع أهم الوجوه الأدبية مثل السياب والبياتي. يعتبر جبرا من أكثر الأدباء العرب إنتاجا وتنوعا اذ عالج الرواية والشعر والنقد وخاصة الترجمة كما خدم الأدب كاداري في مؤسسات النشر. عرف في بعض الأوساط الفلسطينية بكنية "أبي سدير" التي استغلها في الكثير من مقالاته سواء بالانجليزية أو بالعربية.
قدم جبرا إبراهيم جبرا للقارئ العربي أبرز الكتاب الغربيين وعرف بالمدارس والمذاهب الأدبية الحديثة، ولعل ترجماته لشكسبير من أهم الترجمات العربية للكاتب البريطاني الخالد، وكذلك ترجماته لعيون الأدب الغربي، مثل نقله لرواية «الصخب و العنف» التي نال عنها الكاتب الأميركي وليم فوكنر جائزة نوبل للآداب. ولا يقل أهمية عن ترجمة هذه الرواية ذلك التقديم الهام لها، ولولا هذا التقديم لوجد قراء العربية صعوبة كبيرة في فهمها.
أعمال جبرا إبراهيم جبرا الروائية يمكن أن تقدم صورة قوية الإيحاء للتعبير عن عمق ولوجه مأساة شعبه، وإن على طريقته التي لا ترى مثلباً ولا نقيصة في تقديم رؤية تنطلق من حدقتي مثقف، مرهف وواع وقادر على فهم روح شعبه بحق. لكنه في الوقت ذاته قادر على فهم العالم المحيط به، وفهم كيفيات نظره إلى الحياة والتطورات.
الهِيطَليَّة: هي طبق تحلية شامي/فلسطيني/سوري/أردني وهي تتكون من الحليب الممزوج بالنشاء ولا أعلم إن كانت هي نفسها 'المَهلَّبيَّة' كما هي في مصر أم لا، لكن يبدو أن المكونات قريبة من بعضها البعض باستثناء أن الهيطلية يوضع عليها المستكة والفستق الحلبي وماء الزهر، وكذلك يمكن أن تكون هيطلية أرز بالحليب أو التي في مصر اسمها: 'رز باللبن'. والخلاف سيظل قائما إلى أبد الآبدين بينهما! لأن الحليب واللبن هما ليسا شيئا واحدا، وإن كان في مصر يطلق اللبن على الحليب المُبستَر والجاهز بينما الحليب تطلق على الحليب المحلوب للتو من الجاموس أو البقر لهذا يحتاج للغلي. وإن كان كذلك تطلق عليه لفظة 'لبن'! لهذا الخلاف لن ينتهي أبدا كما قلت!
***
القصة حقا رائعة ومليئة بالروح الخفيفة للطفل الذي لا يشعر بسعادة تناول الهيطلية إلا عندما يشاركها مع أولاد الحي علاوة على عدم قدرته على الانتظار حتى عودة والده من العمل.
إحدى قصص الطفولة التي عاشها الكاتب الفلسطيني الراحل جبرا إبراهيم جبرا في بيت لحم في ثلاثينيات القرن العشرين، والمأخوذة من كتاب سيرته "البئر الأولى". الطفل في هذه القصة تُعِدُّ له أمه "هيطلية" وتتركها لتبرد حتى يتناولها عند المساء مع العائلة بعد عودة والده من العمل. هذا الطبق الأبيض الشهي ورعونة الأطفال يغريان جبرا الطفل بأن يدعو أصحابه في الحي إلى المنزل ليثبت لهم صدق كلامه بأن يروا بأم أعينهم طبق الهيطلية اللذيذ، ليحدث عندها ما لم يكن في الحسبان.