قراءة في مشروع يوسف الخال الحداثي للشعر.. ميقات الراجحي ضمن المشروع العظيم الذي تبناه السوري / اللبناني يوسف الخال (1912 - 1987م)، عنايته بتطور ورقيّ سُلم الشعر. ولا أحد ينكر الدور الذي شاركت به لبنان في تطور الشعر العربي سواء من مقرها في لبنان أو من خلال أفكار أبنائهم التي كانت تسافر في كل الدنيا من خلال شعراء المهجر، وعناية لبنان كانت بسبب قلق اللبناني الذي صاحبه في سفره وغربته في العالم وهذا القلق جعله يطلع على النماذج الحداثية الجديدة ويسعى لتطوير تركيبة الشعر كسعيه من تطوير نفسه. هذا غير الكثير من الأيدلوجيات التي كانت تربك المنطقة العربية في خمسينات وستينات القرن الماضي وتقودها نحو تغير لم تتحدد معالمه عند الكثير جعلت من التشكيك في كل جديد عناونًآ أولي.
كانت تجربة يوسف الخال لا تختلف عن تجارب من سبقه في عنايته بمفهوم المفردة الفصيحة الحديثة وإلباس الشعر عباءة حديثة تليق بعصرنة الشعر في منتصف القرن العشرين الميلادي. لذا تولّدت فكرة مجلة "شعر”. كانت بدايات هذه المجلة التي وقفت غايتها على الشعر الحديث من نصه العمودي للنثري بكل تحولاته وقوالبه الأدبية والأسلوبية (من – إلى : 1957م – 1970م) واستقطبت كل جديد في الشعر الحديث وقراءة نماذج عالمية مترجمة فساهمت في إعادة النظر في هيئة الشعر منذ الخمسينات ناهيك عن مواكبتها لصعود القصيدة التفعيلية فوقفت بجانبها وناصرتها، ورغم توقفها لحين إلا أنها عادت بعد غياب لثلاث سنين ثم توقفت وأسدلت ستارها مكررة بذلك تجربة مجلة (أبوالو) في ثلاثينيات القرن نفسه، وكأن هنالك من يحارب في الخفاء أي رغبة في التجديد ولا تعلم أهو عنصر العربي نفسه أم هو الخوف من الجديد وعدم التصديق به، أم أن ثمة مؤسسات جمعت كلا الخوفين السابقين وتبنتهما معًا ضد التجديد.
رغم أن الفكرة مستوحاة من مجلة شعر الإمريكية إلا أن أنها كانت بنسخة عربية سعت لتعزيز أنماط شعرية جديدة يفترض أن يعيها القارئ العربي والشاعر العربي، ولاشك حياة الخال في امريكا جعلته يمعن النظر في هذه المجلة الامريكية "شعر" ويجعل فكرتها وعنوانها في نموذج عربي قد وقع تأثيرها عظيمًا عليه ؛ بل سيصل هذا التأِثير حد ترجمة نماذج شعرية كان يقرأ لها في هذه المجلة مثل (روبرت فروست 1962م) كنماذج حداثية جديدة تجاوزت حتى زمن الحداثة وواكبت بشعرها التطور، و(ديوان الشعر الامريكي) ودليل ذلك أن الخال لم يقف في مجلته عند الشعر التفعيلي الذي إلتزم بالتفعيلات بل جاوزه لعنايته وتبنيه قصيدة النثر التي طلّقت الوزن الشعري والقافية تمامًا فظهرت على عناوين مجلته أسماء برزت في النص التفعيلي وكذلك النثري كـ أنسي الحاج، والماغوط، وعصام محفوظ، وأدونيس، وصياغو وجورج شحادة، والسياب، وبلند الحيدري، وفدوى طوقان، ونازك الملائكة وغيرهم، وكل هذه النماذج راعت رسالة المجلة " تحمل إلى الصحافة الأدبية العربية لونًا جديدًا يرفع من مستواها ويعزز نهضة الأدب العربي الحديث". أنتهى
لم يتوقف دور المجلة على إطلاع القارئ / ئة على حديث الشعر بل هنالك الدراسات النقدية وقراءات الدواوين الحديثة والكتب النقدية الحديثة في العالم العربي. فقد كان رؤية يوسف الخال واضحة المعالم في تبني دورًا ثقافيًا للشعر من داخل لبنان يحسب له وللبنان وللعالم العربي وكان هو من يرأس التحرير، ويسانده (أدونيس)، (أنسي الحاج)، (شوقي أبي شقراء)، (فؤاد رفقه)، (جبرا إبراهيم جبرا)، (محي الدين محمد)، (هنري القيم).
مع هذا الإرث العظيم ليوسف خال يأتي السؤال التشكيكي في قيمة المادة الإبداعية عندما تقترن بمادة نقدية. أيهما اهم : مادة المبدع الإبداعية (شعر قصة نثر رواية) أم نتاجه النقدي؟ وبين هاتين المادتين أنا شخصيًا أرى الخال يقع بينهما ويغلبه – بعض الشيء – جهده الثقافي والتنظيري على شعره حيث عنايته بالحداثة والنثرية في النص الشعري وتبنّيه لمسيرة نهضوية من خلال مجلته، ودوره في الترجمة (بالمناسبة هو أحد مشاهير مُترجمي الإنجيل).