أوراق حلاق
ماذا أقول عن هذه الأوراق وقد حرمتني النوم شبه ليلة كاملة، وقد ألهبت مشاعري تارة للحزن وطوراً للغضب.. تارةً للفرح، وطوراً للهيب البحث عن عدالة، عن ثأر ما!
في تصنيف هذا الكتاب: برأيي يمكن أن تُعتبر مجموعة قصصية في قالب واحد، قصص قصيرة متنوعة ولكنها مترابطة بخيط شفاف يجمعها الكاتب بحرفية عالية، هي أشبه ما تكون برواية مجزّاة على دفعات، شخصياً أحب أن أصنفها أنها حياة مُصغّرة، أو.. لمحة قدرية دراماتيكية.
الشخصية الرئيسية هي "الحلاق"، أهم ما يميّز هذه الرواية ويعطيها هويتها وبصمتها الخاصة. إنسان حكيم، متأمل، وحسّاس، لديه فلسفة وخبرة حياتية متنوعة، يضع لك نظارة جديدة لترى من خلالها عالمه، ويدفعك بأسلوبه الشيق، فتنغمس مُسيّراً لا مخيّراً في التفاصيل الصغيرة لأشخاص قد تقابلهم كل يوم دون أن تتعرف على مغزى شخصيتهم الحقيقية. أما هنا، فكعادة الكاتب "هشام عيد" أنت تُقحمُ من اللحظة الأولى في لب الموضوع، أمام مواجهة تفصيلية لأحد الطبائع الشاذة في مشهد ما، يأخذك مباشرة "للزبدة… للجوهر" بمرآته التى تعكس أناساً عاديين، تقابلهم كل يوم فلا ترى فيهم أكثر من جماد تألفه. أما النفوس التى تصنعنا ما نحن عليه، فتلك حرفته التى يعوّل عليها وقد أحسن صنعاً فجعلنا نراها مرة جديدة مختلفة في عين الفيلسوف الواعي والمتنكر في شخصية الحلاق.
شخصياته الثانوية متعددة لدرجة محيّرة، كم استغرق إعداد هذه الأوراق وصنع شخصياتها بهذا العمق والصدق الذي يؤثر فيك كقارئ لدرجة أن تحب بعضهم وتتعاطف معه وتبكيه أيضاً كالطفل عصام، وملاك، وسامح، وابو سامح، وغيرهم.. أو كره بعضهم لدرجة تتمنى فيها قتل هذه الشخصية لو وجدت أمامك كشخصية صلاح السادومي مثلاً…
ترى هل يحمل اسم " صلاح السادومي" دلالة رمزية ما، أو مدخلاً للتعرف عليه؟..
تقع "أوراق حلاق" في 117 صفحة، وهذا الاختزال الرهيب المرعب يدفع تركيزك للحضور دون كلل. عندما تقرأ، ستعرف عما أتحدث. باختصار هذا الكتاب هو خبرة حياتية مستخلصة من مصفاة دقيقة، لا تسمح بأي شوائب.
تتشابك قصصه بدقة متناهية، فتجد بطل تلك القصة في مكان ما هو نفسه الشخصية الثانوية في القصة الاخرى إلى وقت معلوم لديه ليتصدر البطولة مرة أخرى. تشعر أنك أمام صيادٍ محترف، يمسك خيط حكايته ببراعة متناهية، فيرخيها متى شاء ليشدها في وقت لاحق. وهكذا، بين الشد والمدّ، يتّضح لك مشهداً متجانساً، يسمح لك فيه بجمع الأجزاء في صورة "بازل" مكتملة.
من ناحية الأسلوب، فالنص وبكل بساطة وسيلة لشعورك بالألفة والأنس في ساعة وحدة مكلومة، أما اللغة "فمسبوكة" بعناية، لا هي صعبة ككلاسيكيات الأدب التى تحتاج معجم ولا هي ركيكة يمكن نقدها بسهولة، انها كالقهوة"المظبوطة". وقد اكتسبتُ منها العديد من المفردات الجديدة: أربدّ، الرّفا، متسع الباع، أهتم الأسنان، وغيرها .. وخضت غمار تجربة جميلة مع بلاغة لغوية مناسبة، وفي مواقعها الصحيحة، إذ تضمنت الكثير من التشبيهات والمجازات و"الحلويات اللغوية" التى تبتعد عن التكلف ولكنها تترك الأثر المناسب من الدهشة.
أمّا عن ملكة الوصف في هذه الأوراق، فهي برأيي النقطة الأقوى، إنها الإضافة والقيمة التى تصبغ كل العوامل الأخرى، وقد بلغ أثرها حد أنني كنت أنسى المكان والزمان الواقعي فأدخل في حي الحلمية، وفي بيوته ودكاكينه، وأحداثه حيث خجلت عند قراءة بعض المواقف رغم أنني أقرؤها وحدي، ومَردّ هذا أنك تشاهد الموقف في مخيلتك صوتاً وصورةً وإحساساً، وقد تساءلت في نفسي عدّة مرات: " كم استغرق التفكير بهذه القصص لتخرج مقننة، قوية، فجّة، صادقة، واقعية..خيالية؟" ، تساءلت:" بماذا كان يشعر عندما كتب هذا الوصف الدقيق؟ ليس الوصف الجميل لحدث ما أو شخصية معينة بالأمر الصعب على الكاتب المحترف، ولكن وصف بعض الأحداث الصعبة فاق توقعاتي!
مواقف وقصص كثيرة في أوراق الحلاق، في ذاك المجتمع الذي يُشكّل حالة خاصة، حيث يرويها على "نار هادية" فيدفعك في كثيرٍ من الأحيان للبكاء بحرقة مشدوهاً من قسوة الواقع المتخاذل كما في قصص "اليد الصغيرة"، و"السلام المر"، وغيرها.. قصصه غاية في الغرابة إذ تتضارب فيها قسوة الحياة كبتر قدم بسبب إهمال طبيب ليقابلها فرح عارم بسبب لقاء غير متوقع بشخص عزيز، أو فك ضيقة أحد المعوزين على حين فجأة. تفاصيل تحصل في زمن ومكان محدد، يرافقها وعيك وتفكيرك فيها، وفي حياتك أنت وقيمتك أنت، وشخصياً أشعر بأنني بعدها لست كما قبلها.
في النهاية أعتذر للإطالة، ولكن"لكل مقام مقال"، وهنا.. اقتضى الإسهاب