وقف وسط الحقل يحاول فك شفرة الكلمات التي غزت مِسْمَعَيْه من كل اتجاه. بينما هو يحاول فهم حديث الأشجار، دنا منه صاحب الكلمات. وضع يده على كتفه، فقفزت الغيمة فجأة. ربت الصبي عليها فاستكانت. ابتسم صاحب الكلمات للصبي وهو يخاطبه: "كنت أنتظر حضورك. أرسل إليَّ الغلام صاحب السحاب خبرًا مع سحابة بأنك قادم. تعالَ معي لتشاهد الأشجار قبل أن تتخيَّر كلماتك منها. لديَّ شجرة تتقن لغاتٍ عدة، من يقطفْ منها ويأكل من كلماتها يبدُ ذكيًّا جدًّا للمستمعين، لكن عليه بذل جهد مضاعَف حتى لا تتداخل الكلمات وهو يتحدث فتختلط اللغات. ساعتَها لن يفهم حديثَه أحد، ويصير أضحوكة. قد يدهشك عدد الذين يختارون الأكل من ثمرها رغم مشكلاتها. أعتقد أن رغبتهم في الظهور بمظهر الأذكياء تفوق اهتمامهم بالتواصل والفهم، لكن لا بأس، فنحن بحاجة للضحك من حين إلى آخر! لديَّ شجرة أخرى لا تثمر سوى كلمة واحدة فقط. تختلف الكلمة باختلاف من يقطفها. تعرف الشجرة ما بقلب كل مَنْ يقترب منها، فتثمر الكلمة المناسبة لما يحمل هو بداخله. يفضِّل البعض هذه الشجرة لسهولة حديثها. كلمة واحدة، لا يرددون غيرها، ولا يغيرونها أبدًا، مهما حاولْتَ إقناعهم بأن هناك كلمات ولغات أخرى كثيرة. تتصلب ألسنتهم وأدمغتهم عندها، وكفى! لديَّ شجر مشاغب بعض الشيء، لكنه مُسَلٍّ. يطرح أحاجي من كلمات غير مكتملة، تركِّبها وتصل بعضها ببعض كيفما شئتَ، لتلائم أي موقف تواجهه. معظم من يفضلون ثمارها هم من المغرمين بلعب السياسة أو الفلسفة".
مجموعة قصصية ساحرة هي أول ما أقرأ لهذه الكاتبة الجميلة.
قصص إيناس تطغى عليها الواقعية السحرية اللي بفتقد وجودها فعلا في الكتابات العربية، قصصها قصيرة، مؤثرة، تدخل القلب وتسكنه. أنا تفاجئت بهذه المجموعة الصغيرة مع أول قراءة لها، واللي بتشبه في حبكتها وطريقتها القصص الخيالية أو الحواديت وهو نقطة تانية خلتني أحب الكتاب ده جدا وأحطه على قائمة كتبي المفضلة لعام 2016.
معظم المجموعات القصصية بلاقي نفسي بختار بعض القصص كالمفضلة عندي لأن بطبيعة الحال، على عكس الروايات، المجموعات القصصية بتتفاوت قصصها في الجودة، لكن في حالة "من هنا تمر الأحلام" كل قصة قصيرة كانت رائعة وكانت تستحق تبقى رواية لوحدها.
هحطله ريفيو قريبا على قناتي اليوتيوب (اللي انقطعت عنها بسبب ظروف الانترنت) لكن أنا فعلا أرشح المجموعة القصصية دي بقوة!
هذا الكتاب ليس لي. أسلوب الكاتبة جميل وساحر ولديها حصيلة لغوية لطيفة ولكنها لا تفيد عناصر القصة القصيرة. القصة القصيرة تلتزم بالبداية والنهاية ووحدة الحدث وقلة الحوار، كل هذه العناصر موجودة في المجموعة القصصية ولكنها تفتقر الوضوح، فالمحسنات الجمالية مكانها الشعر، القصائد النثرية أو الروايات ولكنها حينما تدخل إلى القصة القصيرة يجب عليها أن تخدم هدفًا معينًا في القصة. للأسف وجود المحسنات اللغوية واللعب على الجماليات في هذه القصص أفقدني متعتها وفائدتها وكنت أرغب في إنهاء الكتاب فحسب.
أنصح بالكتاب لو كنتم من محبي الواقعية السحرية ولديكم وقتًا للقراءة والتمعن، إما إذا كنتم مثلي تختارون القصص القصيرة وقت انشغالكم كنوع من التسلية وأيضـًا لكي لا تقطعوا عادة القراءة فضعوا الكتاب إلى وقت آخر.
القصص التي أعجبتني: حكاية ما قبل اليقظة - أظنها ستكون فيلم كارتون قصير لطيف جدًا للأطفال من هنا تمر الأحلام ميلاد -جميلة جدًا لمحبي الكتابة منذ الصغر شابوه للغلاف القمر والرسومات الداخلية الجميلة جدا
انا احيي الكاتبة بشدة علي خيالها واسلوبها الرائع. هذه اولي قرائتي و معرفتي بها و حقيقي مذهولة و سعيدة في نفس الوقت. هو كتاب من الاحلام حقااا عشت معه حلم جميل مع كل قصة من القصص الخيالية التي تاتي من ورائها معاني كثيرة جميلة. ارشحه بشدة لمن لهو خيال واسع او من يريد ان يعيش في احلام جميلة.
Not the first book to read for the author but I absolutely loved this one The art is so beautiful (kudos for the artist) Full review would be out soon on tiktok
في مجموعتها القصصية الثانية (من هنا تمر الأحلام) والصادرة مؤخرًا عن دار كيان، تقدّم "إيناس التركي" عالمها "الخيالي" بشكلٍ أكثر تصميمًا وتحديدًا، وتتمكّن من الانطلاق عبر الخيال وحده لإعادة قراءة العالم كله، ليس استنادًا على الواقع أو اعتمادًا عليه، بل بدءًا من بذرة الخيال الأولى من خلال "حكايات وحواديت الأطفال" منطلقةً من مقولة "بيكاسو" التي تقدّم بها المجموعة (كل شيءٍ يمكنك أن تتخيله حقيقي) لتبني ذلك العالم الذي تريد له أن يكون حقيقيًا تمامًا بتفاصيله الثرية الخاصة جدًا.
علنا قد أشرنا في مقالٍ سابق إلى إحدى طرق الكتابة التي تستعين بالخيال وتستفيد منه في خلق العالم وإعادة اكتشافه، في الحديث عن مجموعة "شريف صالح" (دفتر النائم)، ولكن الأمر يختلف هنا بين يدي "إيناس"، إذ لا نكاد نلمح العالم الواقعي أصلاً، بل حكايات متخيلة وعوالم متخيلة بالكامل، حتى وإن كانت بعض تفاصيلها وعلاقاتها معروفة لدينا، إلا أن العالم المرسوم كله خيالي بالكامل، فهاهي الفتاة البسيطة مثلاً في قصة (الطريق) قادرة على صنع المعجزات وتلوين العالم من حولها: تُقلِّب أكوام النفايات المتراكمة، وتنتقي منها قصاصات الأوراق وصفحات الصحف القديمة. تجلس لتنفض عنها الأتربة برفق، وتمسحها بأناملها بحنان، قبل أن تدُسَّها بعناية في حقيبتها. قد تهب نَسْمة تتطاير معها أوراق شتَّى، لترسم حركات راقصة في الهواء، فتقوم هي، بخفَّة لا تتناسب وسنَّها، لتطارد الأوراق، وتمسكها لتُلْحقها بأخَوَاتها في طيَّات الحقيبة المنتفخة. تبدو في حركتها وكأنها تطفو أو تنزلق بانسيابية، لا تخطو فوق وجه الطريق المترِب بحفره، وحافة الرصيف ببلاطه المتكسِّر. تتجمَّع لديها أوراق اليوم، فتبيت ليلتها ترتِّب القصاصات بعد أن تعانق كلماتها بنظرتها، وتقَسِّم كل مجموعة تبعًا لترتيب خاصٍّ لا يعلمه سواها بل ويمكن لأي شيءٍ أن يخلق ذلك العالم، إذ لا يبدو للخيال هنا أي حدود أو قيود، فهاهو بطل قصة (عزف منفرد) ما إن يبتعد عن أعضاء بعثته الجيولوجية ويتوقف أمام إحدى ا"الكهوف" حتى تستوقفه تلك "النقوش" التي تجعله يتأمل عالمًا من خلالها: رأى نقوش جدران الكهف استحالت أمامه مشاهد وأحداثًا، تتابعت كصفحات حكاية من كتاب حيٍّ. الشمس أشرقت بالكاد، تلتمع بضوئها رقرقات الموج، بينما العينان العسليتان تتقافز نظراتهما تُسابق ذهب الشمس المتكسر، قبل أن يختفي التماعه وسط موجة لعوب تلاحق سابقتها. تقف صاحبة العينين مترقبة، تتحيَّن اللحظة التي تذوب فيها حرارة الذهب بين أحضان الزرقة الباردة، وبمهارة فائقة، تصيد ما يتهامسان به من نغم. تلتقط كل نغمة برقَّة بين أطراف أناملها، وهي حريصة على ألا تبدِّد موسيقاها فتستحيل نشازًا، وفي الوقت نفسه، تمسكها بحيث تمنعها من أن تتفلَّت منها هاربة. تجمع النغمات عند شروق الشمس الأول من كل أسبوع، ومرة أخرى عند الغروب. وهكذا يسير بنا الخيال وتسير بنا القصص في عالمٍ متخيّل، يتم سرده ببساطة وتلقائية، لا يفرض رؤية محددة، ولا يسير وفق منطق معين، ولكن يبدو أن الأمر لا يستقر عند "إيناس" بدون إحالات رمزية في بعض الأحيان، إذ نلمح بوضوح في قصة (قلب الحكايا) أثرًا ما لمحاولات "قمع الحكاية"، حيث يجتمع "مجلس الحكائين" ويحددون ساعة الصفر "لثورتهم"، وبالفعل ينتج عن هذه "الثورة" ما يريدون ف(هبط الكرسي من سماوات الإلهام السبع إلى الأرض)، ويبدو أن تلك الثورة قد غيّرت العالم بالفعل، وأبحت "الحكايات" توزع بين الناس من خلال "الشمس" و"القمر" و"النجوم" و"الطيور" بمختلف أنواعها: صار القمر في كل ليلة، في اللحظة السابقة لولادة الفجر، يرسل للشمس محصول النجوم لتلك الليلة. وبعد شروقها، توزع الشمس الحكايات على كل السحب العابرة في السماء. تجوب بها السحابات الأرض، تفرشها عبر السماوات بالتساوي، وتنهمر بها قطرات غيث، تحمل كل قطرة منها في قلبها قصة ترويها. تروي اللون الأخضر الذي يتشربها بنهم، وتتفتح وروده بألوان الحكايا، ويطير شذاها على أجنحة الفراشات ومع النسيم، معبَّقًا بأريج الكلمات.
هكذا تبدو "الحكاية" و"الحكايات" مرادفًا لكل آمال الشعوب في "الحق" و"العدل" و"الحرية"، وهاهي تنال أخيرًا حظها في الانتشار والتحقق بين الناس، وكأن كل الآمال والأماني تتحقق، ولكن الأمر لا يستقيم على هذه الوتيرة، إذ سرعان ما يتم "مصادرة الحكايات" ويُمنع الناس نمن مراقبة النجوم والشمس وأخذ الحكايات منهم، حتى لا يكون خلاصهم إلا من خلال الصبي "الصغير" الذي يطلق "قلبه" ويحصد من خلاله الحكايات من الشمس والنجوم ويخبر بها كل من يلقاه! وإذا كان الخلاص في هذه القصة قد جاء من خلال الطفل الصغير، فقد يكون في قصص أخرى وحالات أخرى من خلال "الشجرة" بكل ما ترمز إليه من معاني العطاء والخير، ففي (من هنا تمر الأحلام) يتحد موقف "الصغير" مع "الشجرة" التي يسعر أنها "أنيس من لا مؤنس له وجليسة من لا جليس له" وبالفعل تحتضنه "الشجرة" بأفرعها الصغيرة وتسحبه إلى الداخل! وهكذا تدور عوالم هذه المجموعة بين عوالم الحكايات والخيال، و تبدو "إيناس التركي" في هذه المجموعة قد استطاعت أن تحدد لنفسها خطًا مميزًا وفارقًا في القص، وأن تحلّق بسماوات الخيال لحدٍ بعيد يحمل سماته الخاصة التي قد تبدو بعيدة أو غريبة لدى البعض، ولكنها تحمل أبعاد حكايات "الطفولة" وخيالاتها الواسعة وقد رسمت في قصص المجموعة باقتدار.