إن ما يعانيه المجتمع التونسي من لحمة زائفة تتشدق بيها النخبة ( أو بالاحرى النكبة) هي بالاساس من مخلفات العروشية الممتدة من زمن البايات الى اليوم . و لكن اليوم أصبحنا نعطيها صفة الجهويات ... كتاب ممتاز مفصل يبين أصول العشائر و مناطق انتشارهم
كنت ولازلت مقتنعا بضعف هذا البحث على الأقل في علاقة بعنوانه المتسم بالعمومية والشمولية في المجال و الزمان سيرورة وصيرورة . غياب الدقة سمة بارزة لهذا الكتاب، اليوم احتجت لمعلومة معينة فعدت لملحق هذا الكتاب والذي يحتوي على تركبية العروش كما حددتها الادارة الاستعمارية الفرنسية وتوزعها في المجال وبطبيعة الحال اكتفى صاحب الكتاب بنقل التقارير الفرنسية والتي بلغت ( 50 صفحة من اصل 180 صفحة وهي حجم الكتاب !! اكثر من ربع حجمه ) . المهم عدت لصفحة وحيدة تخص المراقبة المدنية لقفصة و ضواحيها القريبة من القصر و القطار و عمرة .. في صفحة واحدة وجدت أخطاء لا تغتفر : احد مكونات قفصة الحضرية أي المناريين تكتب " المنترين " ، احد اهم الفروع الساكنة في محيط قفصة أي أولاد جدلة تكتب أولاد جلدة ! . ( في موضع آخر احد أقسام الهمامة الكبرى أولاد سلامة نجدهم أولاد سليمة ) . هذا خطأ في صفحة واحدة من أصل خمسين ، ويتعلق بفروع و عروش اعرفها شخصيا فما بالك بالفروع الاخرى في غيرها من مناطق الجمهورية التي حرفت دون أن نعلم .
عنوان الفصل الثاني من هذا الكتاب مثير " الساقية الحمراء و أولياء الله " توقعت أنني سأجد تشريحا لواحدة من اهم سمات التاريخ الشفوي للعروش التونسية وهو ربط أصل العرش بمنشأ صوفي أسطوري وتحديدا بجد قدم من مدينة الساقية الحمراء المغربية .. والنتيجة ان مؤلف الفصل رغم تأكيده على هذه الفكرة و والغاية ، نجدها يسردها في اربعة اسطر وينتقل بعدها لثلاثين صفحة من اقتباس ونقل خرافات واساطير العروش عن الأجداد المزعومين بل كلما تقدمنا نجد انا نغوص اكثر في حديث عن مجال العروش وتقسيماتهم ومنازلهم وفروعهم و علاقتهم بعروش اخرى ! مما يجعل قرابة تسعة أعشار الفصل دون أي علاقة بموضوعه .
الفصل الثالث يحدثنا عن العروش زمن البايات وبعد سرد سريع لثلاثة قرون من علاقات البايات بالعروش في ثلاثة صفحات نجد أنفسنا أمام ثورة علي بن غذاهم أهم حادث في القرن التاسع عشر( بعد حادث انتصاب الحماية ) . والنتيجة سرد إخباري لاحداث الثورة على طريقة ابن ابي الضياف و كأنه لم تكتب أبحاث ودراسات حللت وفككت الثورة جزءا جزءا! يا اخي ثورة 1864 حدث استثنائي في تاريخ العروش ، ميعاد جبل طرزة والاتفاق لاول مرة على زعيم بدوي واحد ، إجراءات واختيارات وقرارات بن غذاهم كانت تعكس نظرة وتصور جديد للمنطقة ولعلاقة العروش بالباي .. كل هذا يغفل ويكتفي الكاتب بذلك السرد النمطي العادي و المكرر في عشرات الكتب دون أدنى إضافة .
من المضحكات أن صاحب الكتاب أورد رسالة من عامل اولاد سعيد للوزير الأكبر حول وضعية مراهين الهمامة في النفيضة و قد علق عليها " من أغرب ما عثرنا عليه في وثائق الأرشيف.. وبطبيعة الحال يكتفي بهذا التعليق و ينطلق لموضوع اخر وهو جبال خمير ! لكن ما الغريب في المراسلة ؟ ألا يعلم مؤرخنا ان الوزير الأكبر المصلح خير الدين باشا ظل محتفظا في لا وعيه بصورة نمطية عن العربان مفادها ان لا حل معهم سوى القوة بل وترجمه في الحملات العسكرية الضخمة نحو بلاد الهمامة من جهة واعتماد التوطين القسري لفروع منهم في مناطق بعيدة عنهم من جهة ثانية ؟
وماذا آخر ؟ لا شيء .. كتاب سردي بحت لا جديد يرجى منه . عروش تونس تستحق كتابا أدق واعمق و اوثق و أشمل ووو من هذا الكتاب الذي أمامنا والذي في أفضل الأحوال يمكن نعته بكونه " مدخلا " لعروش تونس لا غير .
"من إفرازات ثورة 14 جانفي 2011، عودة النعرة العروشية بعدما كان في الحسبان أنه بعد ستين سنة من الإستقلال لم تعد هناك من مرجعيات غير مرجعية الإنتماء إلى الوطن."