كمال ديب الخبير الاقتصادي والأستاذ الجامعي الكندي من أصل لبناني الحائز على دكتوراه في الاقتصاد من جامعة أوتاوا - كارلتون مهتم بشؤون كندا ولبنان والشرق الأوسط وألمانيا. يكتب أبحاثاً ومقالات في عدد من الصحف منذ العام 1999 في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية، وله بحوث ومقالات في صحف ومطبوعات دورية متخصصة بالعربية والانكليزية والفرنسية والألمانية. يشغل حاليا مركز خبير اقتصادي رئيسي في الحكومة الكندية ورئيس مركز الأبحاث الاجتماعية والاقتصادية والدراسات الثقافية في كندا والحائز على جائزة رئيس الوزراء الكندي عام 2004 والعضو في جمعية الاقتصاديين في كيبيك وفي جمعية الاقتصاديين الكنديين CEA يزور وطنه كلما دعت الحاجة الى ذلك حاملا في جعبته 8 كتب وأكثر من 300 دراسة وبحث نشر معظمها في جريدة النهار وقد عالج من خلالها أزمة المالية العامة والأنشطة الثقافية .
أبدأ بموضوع هذا الكتاب - وهذه الثلاثية - وعنوانها بنك انترا وحيتان المال في ثلاثة أجزاء (يوسف بيدس، روجيه تمرز والحريري) وقد رأيتها على رفوف دار المشرق في معرض للكتاب وعليها خصم فقلت: لما لا؟ للأسف كانت قراءة الجزء الأول خيبة أمل كبيرة وذلك للأسباب التالية: أولا. أسباب تتعلق بالمنهجية: 1. خيار مضحك للإطار النظري: يبدأ الكتاب وكأنه أطروحة أكاديمية تتبع منهجية الأبحاث حيث يعرض الكاتب لفرضيّته ويضعها في إطار نظري معين، هو أن النيو ليبرالية هي سبب خراب إنترا ولبنان - متناسيا أن الليبرالية اللبنانية المطلقة هي بالظبط ما سمح لإنترا بالنجاح. ومن المضحك أن الكاتب يقول أنه يترك للقارئ اتخاذ رأيه ثم يتابع بالقصف الفكري اليساري الماركسي. أما منهجيته تبدو كأنها "النظرية النقدية" وال"ووكية" المنبثقة عن الفكر الماركسي. 2. موقف الكاتب من الاقتصاد الموجّه: يبدو ان الكاتب هو من النوع الذي يحبّ "الدولة": من مديحه لفؤاد شهاب والنهج والمكتب الثاني، إلى لومه الدولة على كل شيء مما يعني أنه يعتقد ان الدولة هي محرك كل شيء (مثلا يلوم الدولة على عدم وجود مطاعم في صيدا وصور – ص 87), وهذا ينمّ – برأيي – عن جهل عميق للمجتمع والتاريخ اللبنانيين. 3. انعدام الموضوعية: أما ما يضرب مصداقية الكتاب فهو وجهة نظر الكاتب اليسارية الماركسية حيث يريد أن يفسر كل شيء عبر القراءة الماركسية ممزوجة بالحقد اليساري التقليدي على المارونية السياسية (التي وفرت افضل أوقات لبنان). ما يعزّز هذا الانطباع هو أن الكاتب يكتب أيضا في جريدة الأخبار وهي اللسان غير الرسمي لتحالف حزبالله واليسار. 4. عدم احترافية في التأريخ: أخيرا - الكاتب هو عالم اقتصاد (وقد خصص عشرات الصفحات في المقدمة كي يُعلمنا بذلك) لكن معظم الكتاب هو تأريخ سياسي حيث يظهر الكاتب كهاو يكرّر التعميمات اليسارية البالية دون أي حس نقد. كما يتخلل الكتاب العديد من الأخطاء التاريخية (مثلا ص 129 أوغسطس بدلا من جوستنيان أو ص 134 أن الموارنة التحقوا بروما سنة 1736! أو ص 150 أن العربية كانت اللغة الرسمية الوحيدة). يا ليته كتب كاقتصادي، مرفقًا أرقام واحصائيات بدلا من تكرار سرديات وردت في قراءاته. ثانيا. أسباب تتعلق بالمصادر: 1. القارئ المنتبه سوف يلاحظ أن كل فصل من الكتاب يرتكز بشكل أساسي على مرجع واحد، إلى درجة يبدو أن الكتاب هو كناية عن ملخصات قراءات الكاتب (مثلا الفصل التاسع يرتكز على كتاب لمروان اسكندر، وفصل آخر نوفيق كسبار وفصل آخر صقر بو فخر أو الفصل 11 نجيب علم الدين الخ). كما أن الكثير من المراجع المذكورة هي مأخوذة عن غيرها. مثلا ص 209 و154 و149 نجد مراجع مأخوذة عن فواز طرابلسي، وهذا ما يعزّز ما قلناه اعلاه: الاتكال على كتاب في كل فصل. ثالثا. أسباب تتعلق بالمضمون: 1. في المقدمة يعلمنا الكاتب أن سقوط إنترا هو النيوليبرالية، لكن في خلال العرض، هو يعزو هذا السقوط إلى عنصرية اللبنانيين تجاه بيدس ، (ص 55، ص 64، ت وخاصة الموارنة - علما أنه في الجزء الثاني يذكر صائب سلام وعبد الله اليافي كأصحاب طار على بيدس)، وهو لا يذكر أي مرجع لدعم إدلاءاته! (مثلا مقالات صحفية من تلك الحقبة). أما الأسباب الموضوعية – كسوء إدارة المصرف ومغامرات بيدس وتلاعب المكتب الثاني به وافتتاح مصارف فلسطينية أخرى وارتباط بيدس بفتح وارتفاع الفائدة في اروربا – فهي كلها أسباب يذكرها لكن يمرّ عليها مرور الكرام. وهذا الأمر لا يأتلف مع البحث العلمي. أخيرا الكتاب ليس سيرة ذاتية علمية لبيدس، كما ليس تأريخ موضوعي للاقتصاد اللبناني أو للسياسة اللبنانية. لكن، لا بد للاعتراف للكاتب ببعض الفضل، وهو اختيار الموضوع، والتركيز على التاريخ الاقتصادي، وإظهار الجوانب الاقتصادية للقرارات السياسية و ارتباط السياسة بالاقتصاد (حتى ولو لا نوافقه أن الاقتصاد يفسّر كل شيء). لا يندم القارئ على قراءة الكتاب، إذ إنه بالرغم مما سبق، الكتاب سهل القراءة ويحتوي على العديد من الوقائع – التي لم أكن أعلم بها – مما يمكنني من التأكد منها في مصادر أخرى.
مع بداية الحجر المنزلي بدأت بقراء كتاب رفيق الحريري "امبراطورية انترا وحيتان المال في لينان 1990 - 2005" وهو الجزء الثالث من ثلالثيته التي حملت العنوان نفسه مع اختلاف الحقبة الزمنية والرمز الذي اختاره لتلك الحقبة. وبعد الانتهاء من قراءة الكتاب شعرت بالحاجة للبدء من الجزء الأول من هذه الثلاثية يوسف بيدس "امبراطورية انترا وحيتان المال في لبنان 1949 - 1968". وفعلا بدأت منذ 7 أيام بقراءة الكتاب، وشعرت معه وكأني دخلت إلى سيناريو درامي شبيه بالمسلسلات المصرية تلك التي كانت تتناول قصة الشاب العربي العصامي الذي يصنع بنفسه امبراطورية المال لينافس كبار الرأسماليين العرب والأجانب، وليقف في وجه منافسيه المتضررين من صعوده، والمتآمرين مع الأعداء الذين بنزعجون من صعود نجم جديد من خارج الطبقة العارفة بلعبة التوازنات وشروطها، ومرورًا بالمواقف الوطنية العظيمة التي يتبناها هذا البطل الصاعد، في خدمة القضايا العربية. إلا أنه وعلى خلاف تلك الأعمال الدرامية، لم ينتصر بطلنا هذا، بل ختم المسلسل بهزيمة دراماتيكية مؤلمة، وموجعة. نجح كمال ديب في كتابه هذا، في تقديم سيرة الاقتصادي والمصرفي يوسف بيدس بأسلوب شيق وسلس، أعطى حيوية وروح حتى للمعلومات والمعطيات الاقتصادية الجامدة. وانطلاقًا من المذكور ومن امبراطوريته المالية بنك أنترا التي جعلها محورا لثلاثيته، استعرض حقبة الازدهار اللبناني التي سبقت الحرب الأهلية في لبنان، على الصعيد الاقتصادي والسياسي، بحيث استطاع أن يضعنا ومع قراءة الصفحات الأخيرة من الكتاب بصورة عامة ومجملة لطبيعة الصراعات والتناقضات التي حكمت تلك المرحلة على الصعد الداخلية والعربية والعالمية، وإن بإيجاز واختصار ودون الخوض في تفصيل بأي قضية باستثناء القضية المركزية المتمثلة ببنك أنترا وتفاصيل المؤامرة عليه وإسقاطه. يؤخذ على كمال ديب، انحيازه الواضح والكبي�� لرواية محددة لهذا الحدث الهام من تاريخ لبنان، ففي حين خصص الكتاب بمجمله الحديث عن بيدس الوطني والعروبي والساعي لبناء اقتصاد لبناني مستقل عن الاستعمارين الفرنسي والبريطاني، وعن المؤامرة التي اشتركت فيها القوى الاستعمارية الكبرى والعدو الإسرائيلي مع المتعاملين معه في الداخل من السياسيين والاقتصاديين والمصرفيين. لم يفرد أكثر من فصل أو فصلين بعشرات الصفحات ليستعرض الروايات المضادة والمختلفة عن حادثة سقوط المصرف الكبير. كما انه تعاطى مع الكثير من الأخبار المنقولة عن أفراد من داخل مجلس إدارة أنترا في حينها وكأنها مسلمات على الرغم من أنه وبطبيعة الحال شهاداتهم مجروحة في هذا المجال - من الطبيعي أن يبحثوا عن مبررات تبعد تهمة الإهمال والفشل عنهم - وتحتاج للكثير من السعي لإثباتها ونفي نقيضها. في الختام وعلى الرغم مما قد يذكر من ملاحظات على هذا الكتاب، قدّم كمال ديب، قراءة في تاريخ حظرت علينا المنظومة التي تحكمنا في لبنان الاطلاع عليه، فلا نمر عليه لا في المدارس ولا الجامعات، وتكتفي بأن تجعلنا نتغنى بزمن كان لبنان فيه سويسرا الشرق، يشبه أفلام فيروز ومسرحيات الأخوين الرحباني. للمرة الأولى أنا شخصيًا كنت اطلع وبفضول كبير عن هذا التاريخ بهفواته وسيئاته والعناصر الدعائية التي عُمِل عليها لبناء تلك الصورة المليئة بالكثير من النوستالجيا لزمن إنما كل ما ربينا عليه من طموح هو بأن يرجع لبنان ليعمر كما كان في زمن كازينو لبنان.
مرجع مميّزلتاريخ لبنان ما قبل الحرب، حيث لعب بنك إنترا دورًا محوريًا في الاقتصاد والسياسة. وهو من بين الكتب القليلة التي تقدّم سردًا متكامل لانهيار إنترا، مبرزًا دور السياسيين الفاسدين والتدخلات الخارجية في هذه النهاية، مع أنه يُخفّف بعض الشيء من مسؤولية بيدس نفسه وممارسات المصرف في الانهيار. وكعادته، يحرص كمال ديب على تفصيل أدقّ جوانب الاقتصاد السياسي اللبناني في تلك المرحلة، من مختلف زواياه، بالتوازي مع عرض شامل لمسيرة يوسف بيدس الشخصية والاقتصادية.
الموضوع شيق جداً وكنت اعتقد ان الكتاب يقدم في المقدمة سيرة ذاتية شخصية ليوسف بيدس لكن كان هذا الجانب مختصر جداً من الكاتب مع استرسال وتعمق في الشخصيات التي كانت حول يوسف بيدس من شركاء عمل واصدقاء بالاضافة للشخصيات السياسية النافذة في تلك الفترة اشعر بأن يوسف بيدس ظلم ايضاً في هذا الكتاب حيث ان الاسترسال والحديث عن حيتان المال طغت عن الحديث عنه شخصياً.
كتاب تأريخي ممتع ومهم ومفيد، يبحث في سيرة احد ابرز رجالات لبنان والمشرق العربي بعد الحرب العالمية الثانية ونهضة لبنان خلال ستينات القرن الماضي ومن خلاله يبحث المؤرخ في تاريخ لبنان والمنطقة ومحاولات البعض تحقيق الاستقلال الاقتصادي والريادة الاقتصادية لدول المنطقة بمواجهة التقليد السياسي الذي ينطق بالتبعية المطلقة للاستعمار وبمصالحه الهادفة لكسر أية محاولة قيام منظومة وطنية مستقلة رائدة. يستعرض الكتاب امبراطورية بنك انترا وقيام النظام اللبناني بتصفيته بصورة مشينة وظالمة ، حارمة لبنان فرصة تثبيت صورته كمركز اقتصادي إقليمي رائد. نفس النظام الذي قضى على امبراطورية انترا هو الذي سرق ممتلكاته، وعلى رأسها شركة طيران الشرق الأوسط وهو نفس النظام القائم اليوم على محاربة اي نظام إنتاجي سليم واقتصادي علمي
على نقيض ما يروّج له اليمين اللبناني مؤخرا عن ادوار سياسية لصاحب البنك يوسف بيدس، تتحمّل النخبة السياسية والاقتصادية اللبنانية بمجملها مسؤولية افلاس بنك انترا والتنكيل بأصحابه ومديريه محمولين بالشعور الدامغ بالحقد والفوقية والشوفينية. الكتاب فرصة ونافذة للقارئ ليطّلع على صورة بهية للبنان لم تدم سوى لعقد واحد، وليطّلع على سيرة بعض رجالات لبنان الطليعيين الذين اسسوا اعمال تعكس تطلّعاتهم العالية، وليطّلعوا على بذور التدخل الأجنبي في هذا البلد الصغير وصولا الى وقوع الحرب الأهلية العام ١٩٧٥.
This entire review has been hidden because of spoilers.