كتاب "لبنان في استراتيجية كيسنجر" ينقسم إلى جزئين، جزء يتناول فيه الدكتور نبيل خليفة ما أسماه ب"المؤامرة الكسينجرية" وهي عبارة عن نظرية مؤامرة، لتقسيم لبنان أو تهجير المسيحيين منه ثم الشيعة، تستمد بعض قرائنها من تصريحات لبعض المسؤولين مشبوهة بسبب توقيت الإعلان عنها. وجزء ثاني يُفصِّل فيه الكاتب استراتيجية كسينجر (الخطوط الحمر) وفكره السياسي - الستراتيجي في فترة توليه وزارة الخارجية وقد اعتُمدت حسب الكاتب عند الإدارة الأميركية إلى حين مجيء الديبلوماسي الأميركي فيليب حبيب عامي ١٩٨١- ١٩٨٢. وقد تمثّلت سياسة الأخير إنقلاباً حقيقياً على نظام كسينجر، والذي جاء إثر أزمة حقيقية (سورية - إسرائيلية) هددت نظام "الخطوط الحمر".
برأيي، فإن القسم الثاني من الكتاب أغنى المكتبة اللبنانية، وهو عبارة عن دراسة في العمق لفكر كسينجر في لبنان قبل اندلاع الحرب الأهلية وعند حرب السنتين. أما القسم الأول، فهو من دون شك عبارة عن نظرية مؤامرة، غير جدية وغير منضبطة وغير مفهومة، وتشوبها الكثير من التناقضات. هل كان مخطط كسينجر هو ترحيل وتهجير المسيحيين من لبنان؟ لا بل يتعدى ذلك إلى تهجير الشيعة أيضاً في المرحلة الثانية؟ هل فعلاً كسينجر هو من أشعل الحرب الأهلية لتنفيذ مخططه؟ لماذا لم يفضح المسؤولون ورجال الدين المسيحيين هذا المخطط عند تلقيهم هذه النصائح بمغادرة لبنان، خاصة الرئيس السابق سليمان فرنجية؟ لماذا أجلوا البحث عنه لسنوات وسنوات!
اعتقدت عند قراءة مقاربة بعض المسؤولين المسيحيين المشبوهة عن هذه النظرية وتثبيتهم لها أنني بالغت بتقييمي السلبي لها! لكن الدكتور خليفة، مشكوراً، قدّم مقاربة جدية وأكاديمية للدكتور فريد الخازن في دراسة له بعنوان "العلاقات اللبنانية - الأميركية في سياسة التوازن الإقليمي ١٩٧٥ - ١٩٨٩" يستخف بالطروحات المؤامراتية ويعتبر أن "من أسخف الكتابات عن الحرب في لبنان تلك التي تربط انهيار الدولة وتفكك مؤسساتها بسياسة رجل، يقصد كسينجر، شغل منصب وزير خارجية لفترة معينة، شهدت المنطقة خلالها أحداثاً وتطورات تفوق بأهميتها ما كان يدور على الساحة اللبنانية من خلافات داخلية وتدخلات خارجية".
كما ذكرت سابقاً، الكتاب بقسمه الثاني مهم جداً لفهم دور السياسة الأميركية لإدارة الأزمة في لبنان، خاصة في مرحلة الصراع الذي حصل على أرضه بين السوري والإسرائيلي. ولكني تعجبت أن الدكتور نبيل خليفة الأكاديمي قد وافق أصحاب نظرية "المؤامرة الكسينجرية"!