منذ قرن من الزمان، لما ظهر في المسلمين من يدعو إلى التجديد، ومراعاة واقع المجتمعات، وظروفها في استنباط الأحكام وتطبيقها، شاع تقسيم السنة إلى تشريعية وغير تشريعية، وقد رضيه كثير من المعاصرين ممن ألف في أصول الفقه، ولا سيما أولئك الذين تغلب عليهم النزعة العقلانية أو الواقعية. فأرادوا بالسنة التشريعية: كل ما صدر عن النبي صلى الله عليه وآله من تصرف بقصد تبليغ الأحكام وبيانها للناس. وأرادوا بالسنة غير التشريعية: تصرفات النبي صلى الله عليه وآله التي لا يقصد منها تبليغ الأحكام، وإنما صدرت عنه لحاجته إليها باعتباره إنسانا، أو بمقتضى خبرته وتجاربه. وهناك من توسع فأدخل في السنة غير التشريعية ما تصرفه فيه النبي صلى الله عليه وآله بمقتضى الحكم أو الإمامة، وكذلك ما اجتهد فيه النبي صلى الله عليه وآله من الأمور الدنيوية. بل بالغ بعضهم فأدخل في السنة غير التشريعية كل ما صدر عن النبي صلى الله عليه وآله من تصرف في الأمور الدنيوية دون تقييد بما اجتهد فيه، فآل بذلك إلى تنحية السنة عن سائر نواحي الحياة العملية: من عادات ومعاملات واقتصاد وسياسة وإدارة وأحوال مدنية وشؤون الحرب. فهذه كلها وغيرها متروكة للناس يديرونها بحسب خبراتهم فيها وتجاربهم، وبما تقتضيه رعاية مصالحهم الدنيوية والمعاشية، دون التفات إلى ما ورد في السنة بشأنها، لا بأمر ولا نهي ولا توجيه. ونظرًا لما يؤول إليه هذا الرأي من نتائج غير محمودة أدناها التشكيك في حجية السنة، وإعطاء الخيرة في الاستدلال بها في القضايا الدنيوية، فقد تصدى جماعة للرد على هذا الرأي وتفنيده، وبينوا أن السنة تشريع عام لكل الناس في كل زمان ومكان، ومن هنا رغبت أن أدلي بما عندي في معالجة هذه القضية.