سيرة حياة وتاريخ مليء بالعبر والطرائف هذا الكتاب الفه واحد من المجتهدين الذين تابعوا مراحل الدراسة بكافة اطوارها حتى بلوغ الاجتهاد ولا نبالغ اذا قلنا هذا الكتاب الأول في العربية الذي شرح حياة طالب العلوم الدينية من ألفها حتى بائها الكتاب موزع على ثلاث مراحل الطفولة : حيث الدرس في الكتاب ومساعدته لأبيه في الاعمال الزراعية المراهقة والشباب : دراسته للعلوم الدينية سن النضج ورحلته الى النجف الاشرف التي قضى فيها عشرين عاما درس فيها على ايدي كبار العلماء
المؤلف هو احد العلماء الكبار واسمه السيد محمد حسن النجفي القوجاني
الكتاب شيق و جميل فهو يحكي السيرة الذاتية لأحد العلماء منذ الصغر وهو من الذين قضوا حياتهم في التحصيل العلمي و الهجرة من أجل التحصيل من بلد لآخر حيث ان الكاتب يذكر فيه ان أباه حثه على طلب العلوم الدينية
فبدأ الهجرة لمدينة مشهد المقدسة ومنها لمدينة اصفهان و بعد ان قضى في هاتين المدينتين مدة خمس سنوات هاجر لمدينة النجف الأشرف و هي حاضنة العلم و العلماء و استمر في التحصيل العلمي و التدريس مدة خمس و عشرون سنة ليصبح مجموع دراسته ثلاثون عاما مليئة بالجد و الاجتهاد و الصبر على صعوبات الحياة و الغربة و الضائقة المالية التي يعاني منها طلاب العلوم الدينية و كل ذلك لم يثنيه عن وظيفته الشرعية و تحصيله العلمي . . و كان أحد طلاب المرجع الكبير الآخوند الخراساني قدس سره و الذي حضر درسه في النجف لمدة طويلة قبل أن ينتقل الآخوند لرحمة الله في ظروف غامضة بعد دعوته للجهاد ضد الاتحاد السوفيتي و الذي يحتل إيران و كان قد قرر التحرك للجهاد في ايران و لكنه في نفس ذلك اليوم انتقل الى رحمة الله تعالى و انت تقرأ الكتاب ينتابك شعورين الاول هو الفخر و الاعتزاز حيث اننا منا امثال هؤلاء العلماء الذين صبروا على الغربة والفقر و كما يذكر في كتابه عن فترة دراسته في النجف " . . حين يجن الليل كانت العباءة لحافي واثنتان او ثلاث طابوقات وسادتي وفي النهار يتحول لحاف الليل إلى عباءة مرة أخرى . . " و مما يذكره أنه سافر مشيا على الاقدام من مدينته قوجان الى مشهد و بعد فترة انتقل ماشيا الى اصفهان و بعدها ايضا ماشيا الى النجف الاشرف و أما الشعور الثاني هو الحسرة و الندم حيث السؤال أين نحن من طلب العلم ؟ و نحن نملك ما نملك من وسائل الراحة و الرفاهية ما يسهل علينا طلب العلم الكتاب يستحق القراءة ففيه الكثير من المواعظ و العبر
الكتاب يتحدث عن رجل دين قضى اكثر من عشرين عاما في النجف, تحدث فيها باسلوبه الذي لايخلو من السخرية عن نفاصيل حياته وعن واقع المدينة والاحداث السياسية في ذلك الوقت. وصف - عن قرب - حال رجل الدين فكييف انه قد يكذب او يتملق احيانا او كيف يكون مضطرا لبيع احد كتبه ليشري لنفسه شيئا يأكله. كان للنجف ولدرس استاذه الخراساني موقعا خاصا في نفسه مكنه من الصبر على الجوع العيش في الخرائب, وكان على علاقة خاصة بجده الامام علي (ع) فكان يكلمه وقد يعاتبه كأنه يفعل ذلك مع صديق قريب.
سيرة ذاتية يفترض انها لعالم بلغ درج الاجتهاد تبدأ من زمن ولادة المؤلف عام ١٢٩٥ هـ في قوچان في بيئة زراعية و بين فلاحين و من ثم ترحاله الشاق بين المدن وحواضر العلم حتى وصوله للنجف الأشرف في عام ١٣١٨ حتى عودته الى ايران في ١٣٣٨ هـ. يكتسب النص أهميته من أن فيه توثيقاً لسيرة احد طلاب العلم ومنتسبي الحوزة، توثيق يُبين الحال الواقعية و يمسح عن الذهن الحال المثالية المتخيلة في عقول الناس حول حياة طلاب العلم و كيف أن فيهم الصالح والطالح و يُبين أن الكثير من المدعين من طلاب و أساتذة هم ممن يستعملون آلة الدين للدنيا و ان بعضاً من المحسوبين على طلب العلم هم مجرد محتالين ودجالين.
السمات الرئيسيّة هي الإسهاب و التفصيل بأسلوب أقرب الى السخرية والكوميديا السوداء و لكن الثرثرة المملة في النص أكثر مما يحتويه من ظرافة و تشويق
أحياناً أَجِد في النص ما يدعو للشك والريبة في صدوره من رجل فقه و علم في العقد الخامس من عمرهو ذلك لعدة أمور : غياب الرزانة في الطرح و وجود شيء من عدم النضوج في التفكير عدم المبالاة أو التورع في انتقاص الآخرين
من القصص التي يرويها والتي تنطبق على زماننا حيث يتصدى الكثير من الجهال والعوام للنزاع و ايذاء الآخرين بحجة الانتصار لمرجعية فلان أو علان : انه في زمن احدى الفتن وبينما كان احد الشيوخ الأعاجم يركب في قارب مع جمع من الغرباء لغرض السفر و الزيارة اتفق هؤلاء على قتله غيلة لانه يحتمل ان يكون بابياً و لولا لطف الله لكان دمه مسفوحاً وصار طعما للأسماك، و اتفق ان التقى بأحد الركاب بعد ذلك و سأله بأي شيء استدلوا على انه احد البابيين الذين يريدون قتل احد المراجع؟ أوليس يمكن أن يكون بريئاً من هذه التهمة التي لا دليل عليها ؟فرد عليه الراكب ان مسألة البابية و قتل السيد مجرد عذر مختلق و لقلقة لسان. اذ ان الهدف من قتله هو مجرد العبث و الاستهانة بالدماء وان هؤلاء أصلاً لا يعرفون رب السيد المرجع فضلاً ان يعرفو السيد نفسه!!
يحكي جزء من سيرة حياة طالب علم حتى يصبح مجتهدا ، تبدأ حياة من الطفولة في قوجان ايران وتستقر في النجف الأشرف في العراق ، يحكي تجاربه مع طلبة العلم والمدرسين ، المؤلف له نظرة سوداوية غالبة في حواراته مع غيره ممن يفوقهم حسب زعمه قوة وإيمان وتوفيق . الجيد في الكتاب أنه يفتح نافذة حية على ذلك الزمان الذي يبدأ قبل الحرب العالمية الأولى وبعض أحوال العراق فيها مرورا بثورة النجف .
لكل مهتم بكتب السير أنصح بقرائته ، ولكل من يهتم بشؤون العراق والتاريخ وشؤون طلبة العلوم الدينية.