زار العبودي الرحالة صاحب القلم الرشيق، جورجيا في فترة مهمة من تاريخها، عام ١٤١٦هـ/١٩٩٦م بعد استقلالها بفترة وجيزة عن الإتحاد السوفيتي بعد سقوطه، موقع جورجيا مميز تفصل مابين تركيا وروسيا وآسيا الوسطى على البحر الأسود، فتحها المسلمون في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه، سموها بلاد الكرج، والكرج هم أهل هذه البلاد، وهم عرق يختلف عن الأرمن و الروس والقوقازين، والأتراك كذلك، ملامحهم خليط، وأقرب لملامح الترك من بقية جيرانهم.
يبدأ كتابه بتاريخ جورجيا عند بعض المؤرخين والرحالة العرب القدماء، من ياقوت الحموي، والمسعودي، وابن حوقل وغيرهم، ربطوا بينهم وبين الأرمن والقوقاز كثيرا، لتقارب بلادهم وتشابهها، سميت تبليسي عاصمة جورجيا بتفليس في كتب التراث، وطرابزون التركية سميت في كتب التراث بطرابزندة، لالتصاقها بالحدود الجورجية.
بقي الحكم العربي قائما في جورجيا حتى عام ١١٠٠م تقريبا، ومع الحملات الصليبية على العالم الإسلامي سقطت جورجيا، ثم عادت للحكم الإسلامي في عهد تيمورلنك، ثم العثمانيين حتى سقوط الدولة العثمانية، وسيطرة الروس عليها والحكم الشيوعي، ثم استقلالها عند انهيار الاتحاد السوفيتيي.
سافر العبودي من مطار موسكو عام ٩٦م ميلادي، وقد وصف أنواع الفوضى العجيبة في مطاراتهم، فبطاقات الصعود توزع بشكل عجيب، وأكثر من عدد المقاعد، ودخول الطائرة كالسباق فلا مقاعد محددة سلفاً، وكل من وجد مقعدا جلس فيه، وهكذا يبقى ركاب متأخرون لا يجدون مقاعد فيتم إخراجهم من الطائرة، كذلك حمل الأمتعة ليس مسئولية الشحن، إنما يحمله الراكب بيده، وبعد ساعتين من التحليق وصل العبودي إلى تبليسي، وقد وجد مطارها بنفس السوء الذي جربه في مطار موسكو.
لفت انتباه العبودي العمائر المتلاصقة قبيحة الشكل، منعدمة الجمال كأقفاص طيور، والتي بنتها الشيوعية شققاً للإسكان، والتي كانت السمة البارزة لتبليسي ودول الإتحاد السوفييتي، قضى يومه الأول محاولاً الاتصال بباطومي، عاصمة إقليم أجاريا الذي يسكنه أغلبية مسلمة، ولم تكن هواتف الفندق الفخم الذي سكنه تتصل بخارج العاصمة، وتردد على مكتب البريد لإجراء اتصال هاتفي بباطومي ولم يتمكن من ذلك لشدة تخلف البلد والنظام وقتها.
تضايق العبودي من انعدام المتحدثين بالإنجليزية في تلك البلاد وكذلك غياب الإنجليزية عن اللوحات الإرشادية ، اليوم بعد مرور أكثر من عقدين ونصف على استقلال جورجيا تكاد اللغة الإنجليزية تحتل المركز الثاني فيها، فاللوحات والباصات والمواصلات والمراكز التجارية والمطارات ومعظم المرافق يتحدثون الإنجليزية.
ذكر ملحوظة ملفتة حول مسجد تبليسي حيث يقتسمه الشيعة والسنة، لقلة المصلين حينها، ولمصادرة الشيوعية بقية المساجد، سافر بعدها من تبليسي إلى باطومي بطائرة صغيرة، باطومي عاصمة أجاريا، وهو إقليم يتمتع بالحكم الذاتي في جورجيا، يسكنه أغلبية مسلمة حين زارهم العبودي بلغت نسبتهم ٨٠٪، وبالتأكيد أن النسبة تغيرت الآن، ذكر أن بها ١١٠ مساجد وقت زيارته لها، زار سبعة منها ووصف أحوالها.
قضى وقته بالبحث عن فندق فلم يجد يومها سوى واحد، لم يعجبه لكنه رضي به بعد أن فقد الأمل، وشاهد البقية السيئة الحال، لكنه امتدح كثيراً طبيعتها وثمارها، فأرضها خصبة للغاية وفاكهتها كالعنب والخوخ والمشمش والتفاح كثيرة للغاية ولذيذة، الشاي كذلك ينبت فيها ويسقى بماء المطر لا بجهد الإنسان، لذلك تشتهر جورجيا عالمياً بخمورها، وفي كل شبر فيها كشك لبيع أنواع هائلة من الخمور، وربما الخمر أكثر من الماء عندهم، بسبب خصوبة الأرض وجودة الثمار.
اشتكى من سوء الطرق فيها وتعرجها، وعدم العناية بها، وقدم السيارات فيها فيها، ساءه جدا يومه وضع البلد التي تمتلك قدرات هائلة لكنها لم تستغلها، بالطبع تغيرت تلك البلاد والانترنت يحوي مصادر شتى لمشاهدة التحولات التنموية في هذه البلاد.