لا يختلف اثنان على عبقرية الكاتب، ولا الجهد المبذول في صياغة النص بحيث نتدرج من موضوع في المقال الواحد إلى آخر في انسيابية تامة، بحيث لا يشعر القارئ أن ثمة حلقة مفقودة في سلسلة الكلام، على الرغم من أن المواضيع متشعبة متفرقة، كل موضوع له موقع واتجاه وإحداثية تختلف عن موقع واتجاه وإحداثية الموضوع الذي قبله والذي يليه، أجاد الكاتب ربط هذه المواضيع في بوتقة واحدة، بدأ في التعامل معها بسلاسة ممتعة مثيرة، تجعل القارئ إذا استهلَّ القراءة يسترسل بها لا ينقطع إلا لضرورة.
لم أرتح لغلاف الكتاب، ليس لرداءته ولا لسوء التصميم، بل التصميم جيد، إنما لأنه يتطابق تطابقاً مبالغاً فيه مع الكتاب السابق للمؤلف، الأمر الذي يجعل القارئ لا يشعر بالتجديد.. يقول المؤلف أن التطابق مقصود، هذا الأمر يخصه.. على أن الجاذبية تبدأ من الغلاف الخلفي للكتاب، رغم أنه كان الأفضل للكاتب أن يجدد في صياغة الكلام فيه، فلا يورد مقتطفات من مقدمة الكتاب ليضعها في خلفيته، شخصيًّا لا أحب أن أقرأ كلاماً يتكرر في أكثر من موضع في كتاب واحد، والأسوأ إذا كان ترتيب قراءته متوالياً.
أما عن الصور في الكتاب فقد أضفت رونقاً في التنسيق وجاذبية، بالإضافة إلى أنه يجسد الفكرة في فهم القارئ الذي يقرأ عن شخصية فيراها ماثلة أمامه، ثم عن فكرة ويجد أمامه صورة تشرحها.. هو كتاب مقروء مرئي في ذات الوقت، تترسخ به المعلومة بطريقة أثبت.
الكتاب ذاته ينقسم إلى قسمين، الأول بعنوان «أوراق منسية»، أراه امتداداً لكتاب المؤلف الأول (لو كانوا يعلمون)، لم يخرج عنه رغم ثرائه وبعض مواضيعه الشيقة.. هذا القسم مع الكتاب الأول يحملان رسالة واحدة للقارئ، مفادها: «لا تصدق كل ما يُقال وما يُقرأ، بل وما يُدرَّس كذلك».. هناك من صنَّف الكتاب الأول (لو كانوا يعلمون) أنه كتاب معلومات عامة، أنا لا أتفق بتاتاً مع هذا الرأي، لكنني بالمقابل أرى هذا القسم من الكتاب الثاني هو الأنسب لهذا التصنيف.
أما القسم الثاني المعنون بـ «أساطير الأولين» فهو مقصد الكتاب، وهو الجديد الذي يتضمن تشويقاً في السرد، ويحمل الجاذبية الأكبر.. أجمل ما فيه ليس المعلومة التي تصدمك فحسب، إنما المعلومة المنتقاة التي تترابط مع أختها ليستنبط الكاتب بعدها ليس فقط فكرة جديدة، إنما نهجاً جديداً من التفكير.