إلى أهل العلم المنصفين ، الطالبين للحق ، و المتحررين من التعصب للأشخاص و المذاهب إليهم أهدي هذا الكتاب. مقدمة : أن الجانب الرائع و الإيجابي من المقدمة حظي باهتمام كبير ، فأُشبع دراسة و قُتل بحثا ، لكن جانبها السلبي المليء بالأخطاء و النقائص ، لم يأخذ حقه من البحث و الاهتمام ، كالذي أخذه الجانب الأول ، فجاءت دراستنا هذه لتركز على الجانب السلبي المُهمل ، و تساهم في إكمال نظرتنا لمقدمة ابن خلدون ، و لتأخذ-أي المقدمة- مكانها الصحيح و المناسب لها ، بلا إفراط و لا تفريط ، و في انتقادنا لها لا ننكر جانبها الإيجابي الرائع . ليعلم القارئ الكريم إن النقد هو من أساسيات البحث العلمي في كل العلوم ، و قد مارسه علماء المسلمين قديما و حديثا انطلاقا من ديننا الحنيف ، فالقرآن الكريم فيه انتقادات كثيرة لليهود و النصارى و المشركين ، و فيه أيضا معاتبات و تأنيبات و انتقادات للصحابة الكرام . و فيه حث على نقد الأخبار و تمحيصها بمختلف الوسائل الممكنة ، في قوله تعالى (({يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ} - سورة الحجرات/6- . على أن يُمارس ذلك النقد في إطار من الضوابط الشرعية و العلمية ، كالتجرد للحق ،و التزام الأمانة العلمية ،و عدم تحميل الأقوال تفسيرات و تأويلات لا تحتملها ،و البعد عن التعصب المذموم للمذاهب و الأشخاص . أ.د. خالد كبير علاّل الجزائر ملف pdf موقع صيد الفوائد
يشير الدكتور خالد كبير علال من خلال كتابه ( أخطاء ابن خلدون من خلال كتابه المقدمة ) إلى أن الجانب الرائع و الإيجابي من المقدمة حظي باهتمام كبير ، فأُشبع دراسة و قُتل بحثاً ، لكن جانبها السلبي المليء بالأخطاء و النقائص ، لم يأخذ حقه من البحث و الاهتمام ، ولذلك عمد الدكتور خالد من خلال كتابه على الوقوف على أخطاء ابن خلدون في المقدمة داعياً الباحثين والمنصفين إلى التجرد من التعصب للأشخاص والتعصب للحقيقة وحدها .
يقف الدكتور خالد كبير علال عند نقطة مهمة من فكر ابن خلدون والتي أعتقد أنها كانت من الهفوات التي أخذها المستشرقون ودندنوا حولها وتلقفها عنهم بعد ذلك تلاميذهم كأحمد أمين وغيره ،وهى مقولة إن العلماء أغفلوا نقد متون الأحاديث وأن عنايتهم كانت بالإسناد وحده ، وهي مقولة ظالمة تغفل دور العلماء في نقد المتون كالخطيب البغدادي، و ابن عساكر ، و ابن الجوزي ، و ابن تيمية ، و محمد بن عبد الهادي، و الذهبي، و ابن قيم الجوزية ، و أبو الحجاج المزي، و ابن كثير ، و هؤلاء لهم مصنفات تشهد لهم على مهارتهم في نقد الأخبار و تمحيصها ؛ منها: كتاب الموضوعات في الأحاديث المرفوعات ، و كتاب العلل المتناهية ، و هما لابن الجوزي ، و كتاب ميزان الاعتدال في نقد الرجال ، للذهبي نقد فيه كثيرا من الروايات إسنادا و متنا.
من أشهر مواقف ابن خلدون الشهيرة هو موقفه من العرب ، فقد أصدر ابن خلدون أحكاما قاسية و غريبة في حق العرب ، و في بعضها ذم صريح لهم ،وإنقاص من مكانتهم ، وبعض الباحثين مثل الباحث فاروق النبهان ، وبعض المشايخ مثل الشيخ أبي إسحاق الحويني ذهبوا إلى القول بأن ابن خلدون استخدم مصطلح العرب ، وقصد به الأعراب ،و هم أهل البادية الذين يسكنون الصحراء ، ولكن خالد كبير علال هنا في كتابه يقول : "لقد تبين لي من تتبع أقوال ابن خلدون في أحكامه التي أطلقها على العرب ، أنه أطلق اسم العرب على العرب كلهم بدوا و حضرا معا ، و لكنه قد يطلقه على البدو تحديدا، و قد يطلقه على الحضر فقط ، و قد يطلقه عليهم كلهم" ، ومن ثم فهو يخالف ابن خلدون في تعميمه لذلك المصطلح ،و التسوية المطلقة بين الأعراب و أهل الحضر ، فهو عندما تكلم – ابن خلدون- عن زوال دول العرب ، قال إنهم في الأصل أمة متوحشة همهم نهب ما عند الناس ، و حتى عندما كونوا دول منذ زمن الخلافة الراشدة ، فقد زالت بسرعة ،و تقوّض عمرانها و أفقر ساكنه .
فواضح من كلامه أنه يقصد العرب جميعًا بدوًا و حضرًا ، فأهل التوحش و النهب ما عند الناس ، هم الأعراب ، و الذين كونوا الدولة الراشدة و الأموية و العباسيةهم عرب المدينة .
يقف الكتاب مع دفاع ابن خلدون عن العبيديين الإسماعيليين المعروفين بالفاطميين في ادعائهم للنسب العلوي و تصحيحه انتسابهم إليه بعلل متهافتة كقولة (إن العبيديين لو كانوا كاذبين مدعين للنسب العلوي لانكشف أمرهم سريعا) ، فينقد علال هذا القول حيث لا يوجد دليل من النقل و لا من العقل يقول إن الكاذب لا بد أن ينكشف أمره بسرعة في هذه الدنيا و يعرفه الناس و يفشل في تحقيق مراده ، فكم من أكاذيب و أباطيل موجودة في الأديان و المذاهب و الدعوات و الأحزاب السياسية ، و لا يعرفها أكثر أتباعها , و لم ينكشف أمرها لديهم ، و هم يعتقدون أنها صحيحة و يموتون من أجلها .
كما أنه إنه لا توجد علاقة حتمية بين الكذب و سرعة الانكشاف ، فقد ينكشف الكذب و قد لا ينكشف لمعظم الناس و يستمر قرونا عديدة ، فالأرض تموج بالعقائد و المذاهب الباطلة ، و لم ينكشف كذبها و زيفها لمعظم أتباعها ، كما هو حال اليهود و النصارى و الهنود و البوذيين.
إذن .. ما سر دفاع ابن خلدون عن الفاطميين العبيديين ؟ هذا السؤال يبحث وراءه خالد كبير علال فينقل قول الحافظ ابن حجر العسقلاني: (( و ابن خلدون لانحرافه على آل علي ، يُثبت نسب الفاطميين إليهم ، لما اشتهروا من سوء معتقد الفاطميين ، و كون بعضهم نُسب للزندقة و ادعى الإلهية ، كالحاكم ،و بعضهم في الغاية من التعصب لمذهب الرفض ، حتى قُتل في زمانهم جمع من أهل السنة ، و كان يُصرح بسب الصحابة في جوامعهم و مجامعهم ، فإذا كانوا بهذه المثابة ، و صحّ أنهم من آل علي حقيقة، إلتصق بآل علي العيب )).
ويري خالد كبير علال صحة قول الحافظ ابن حجر حيث أن ابن خلدون زعم أن مذهب العبيديين القائم على الكفر و الزندقة و الإلحاد ، هو مذهب آل البيت ، و هو الذي طبقوه بمصر ، و هذا يستلزم أن آل البيت كانوا مثلهم في ذلك الضلال، و هذا أمر خطير جدا ، قرره ابن خلدون ، لكن الغريب أنه قرر ذلك و سكت عنه ،و لم يستخدم آية التطهير لينفي عنهم ذلك الضلال الكبير ، و لا شك أن الدفاع عنهم لتنزيههم عن الكفر و الزندقة و الضلال و البدعة أولى من الدفاع عن أحدهم من بعض الفواحش ، لكنه سكت و لم يفعل ذلك ! ! فلم يُنزه العبيديين و لا آل علي ، رغم سهولة الدفاع عنهم ، لأن آية التطهير جاهزة حسب فهم ابن خلدون لها ، و مع ذلك لم ينزههم ، و يبدو و الله أعلم أنه فعل ذلك لكي يُسيء للعلويين بإلحاق العبيديين بهم .
ومن عجيب مواقف ابن خلدون هو دفاعه عن ابن تومرت بقوة و حماس ، و أيده في ادعائه للعلوية و المهدوية ، وهو ناقض نفسه لأنه في موضع أخر من المقدمة اعترف صراحة أن المهدي المنتظر ما زال لم يظهر بعد ، و إذا ظهر فمن الراجح أنه يظهر من بين الطالبيين بأرض الحجاز كالمدينة و مكة .
هذه الأخطاء التي أستعرضنا بعضها أفاض الكتاب في نقدها بتوسع ، مع العديد من الأخطاء الأخرى ، وهو قطعاً لا يقلل من قيمة ابن خلدون ، لكن السكوت على أخطائه جريمة في حق المعرفة ، الكتاب مهم وجيد جداً وأنصح بقراءته بهدوء وتعمق وفهم .