"مخطوطة هذا الكتاب تُعد الأكثر أهمية في تراثنا العربي الإسلامي، كونها من الكتب النادرة التي تتتناول أسرة البرامكة الشهيرة في العصر العباسي. وقد وصلت إلينا هذه المخطوطة الوحيدة بعد أن فقدت النخطوطات الأخرى." ويقول الأستاذ جليل العطية، محقق هذه المخطوطة بأنه حصل عليها من مكتبة فاتح باسطنبول وتعود لمؤلف -مجهول- من القرن الرابع هجري\ العاشر ميلادي.
ربما كشف الحياة الاجتماعية في هذا الكتاب هو أعظم ماجاء فيه أما بقيته هي قصص – روايات اجتماعية – تمس أسرة البرامكة التي شاركت صديقهم هارون الرشيد وتسيير شأن الخلافة العباسية بأمر ورغبة وإرادة منه دون سلطة سلطوية – قهرية – كما فعل "آل بويه"، و"آل سلجوق" فيما بعد هذا العهد بعدة سنوات، وهذا أمر يجب مراعاته عند قراءة التاريخ العباسي أو الحكم عليه.
يندرج الكتاب تحت ما يعرف بـ أخبار وأحاديث وهي في مجملها قصص عن مجمتعٍ ما أو حقبة زمنية بعينها لها خصائصها المستقلة تاريخيًا بإختلافها عن ما تقدمها وما تأخرها عنها.
جل مافي الكتاب يُبرز إيجابيات عصر الرشيد متمثلةً في شخصه وكذلك جوانب كرم البرامكة كالقصة الثانية (الفضل بن يحيى والأعرابي صاحب الناقة) في أول الكتاب، وإن كان التكيز الأعظم على إنسانيات البرامكة وتحديدًا الفضل البرمكي – وزير الرشيد – دون جعفرالبرمكي – نديم الرشيد – والذي خصه المؤلف المجهول بأربع قصص في الكتاب.
مما يمتاز به هذا الكتاب :
1. زمنية المخطوط في الـ (ق 4 هـ / 10 م) لمؤلف مجهول.
2. طابع محتوى الكتاب قصصي. لكنه قصص كتب بطريقة مبتكرة – وهذا غريب – حيث التنقل بين الماضي والحاضر والجمع بين مسار أكثر من شخصية رئيسة في الحكاية الواحدة وهذه فنية متقدمة في القرن الرابع الهجري.
3. خاصية الطابع القصصي واقعية عطفًا على أحداث واقعية – يوجد اليوم مثل هذا الأدب وهو قديم عند العرب منذ القرون الأولى – في التاريخ العربي، وليست من الخيال كألف ليلة وليلة، أو كليلة ودمنة.
4. بعض القصص ليس بها أي جانب تاريخي مطلقًا ليس غير قصص من قصص العشق ولقاء المحبين أو ما تظهر جوانب إنسانية أو تناقش سلوكًا بشريًا يخص العنصر البرمكي كالقصة (4) "خبر الوزير يحيى البرمكي والبستان وجاريته..." ص 81 – 100 ، وإن كان بين طيات القصة أمورٌ منكرة من صرف يحيى البرمكي وأولاده على صحب القصة العاشق من أموال عظيمة مبالغ في تقديرها هي أولًا وأخرًا من خزينة مال بيت المسلمين!. ومثلها في الكتاب كثير.
5. غلبة سمة النقد الاجتماعي في القصص ونقد الظواهر السلبية كالفساد والسرقة والرشوة والظلم.
6. يتجاوز الخبر المعرفي حدود الحدث التاريخي المعروف سلفًا بجغرافيته المكانية ؛ العراق إلى حدود الشام ومصر، وهذا أمر غريب بعض الشيء لوقع النكبة في بغداد ولكن كان مرد ذلك بعد نهاية الكتاب لتطور بعض أحداث القصص ليس إلا.
7. خلو القصص من السند – سلسلة الرواة – فتعذر علينا معرفة صدقها من عكسها. بينما يرى محقق المخطوط أن المؤلف قادم بحذف رواة القصة – الأسانيد – ولا أعلم لما قد يفعل ذلك؟.. أهو التخفيف علي الناس من إستطراد عدد الرواة؟.. لكن يبدو لي – والله أعلم – هو من فعل النسّاخ وإلا فقيمة السند عند الناس موضع كل ترحيب وتقدير والمؤلف يراعي ذلك عند الناس لوقع الخبر على المخُبِر لتقبل مصداقيته. فلا تجد في القصة إلا سندًا واحدًا لا غير.
8. المخطوط كأغلب المواد التي تتناول حادثة البرامكة تظهر اسف وندم هارون الرشيد على فعلته – وهو غير صحيح – حتى بات القارئ يتشكك في نية الرشيد في الإيقاع بالأسرة وهذا ليس من المنطق في شيء.
9. تضخيم المحق (أ. جليل العطية) على أهمية المخطوط وأنها "مخطوطة فريدة (ص 6)...، لا أخت لها في خزائن العالم ص 16" الجملة الأولى لنذرتها، والثانية لنفاستها وأهمية محتواها، وهي مع عظمها ليست بتلك التي يعوّل عليها لسببين :
- خلو القصص من الأسانيد فلو وجدتها لرفعتها من خبر / حدث لرواية تاريخية مُسندة ويتم تشريح رواتها وفق علم الجرح والتعديل مع الأسانيد.
- مجهولية المؤلف وهذا لم يمنحنا تحديد دقيق جدًا لزمنه وميوله – يغلب عليه تعاطفه مع الخلفاء العباسيون – ولم نتمكن من وضعه رواياتها في كفة الثقة المطلقة إذا ما أتضحت شخصيته.
10. إنقاطع بعض أحادث القصص حيث منتصفها أو أخرها كالقصة رقم (11) "حديث محمد بن إباراهيم البريدي ويحيى البرمكي" فتجد كثرة فراغات في المتن [...........] : بياض في أصل المخطوط لأكثر من كلمة فأخل بمجرى الأحداث ص (250)، ص (253) وأما بقية قصص المخطوط فليس غير ضياع كلمة [........] أو كلمتين بالجملة ليس أكثر.
11. يعامل الكتاب بمادته وفق المؤلفات الأدبية / التاريخية كـ(الأغاني) بدرجة قريبة ،وكـ(العقد الفريد) بدرجة أقل لعلو كعب العقد عنه لمعرفتنا بصاحبه ابن عبد ربه الأندلسي.
12. كثرة اللفظة العامية (أَيْشٍ) وإن كان بعض أهل اللغة جعلوا "أَيْشٍ" في أصلُها: أيُّ شيءٍ، فتم تخفيفها وقد نحتت من جملة الإستفهام السابقة، وهي فصيحة مما تحدثت بها العرب منذ القدم – كما مرت عليَّ في كتب التراث مرارًا – ولكن بعيدًا عن الجانب اللغوي كان مثل هذه العامية قد بدأت تتفشى في العصر العباسي بسبب عنصر العجم (فرس وترك) بين الناس.
13. أخيرًا لا تقلل الفقرة الأخيرة من الكتاب فالمكتبة العربية شحيحة المصدر عن قضية البرامكة لفقدان الكثير من الكتب التي تناولت أحداثها، ولمناقشة الباحثين الفارسين وتغطيتهم للقصة بمغالاة مبالغة لفارسية الأسرة. ــــــــــــ
أعتذر عن الإطالة ولكن أحب أن أوفي كتب التراث بعض حقها لعلي أقدم بقليل ما عندي كثيرًا لغيري والله من وراء القصد.