في بيروت, يتحدث الى طبيب صديق له, محاولا أن يشرح شعوره بالغربة، شعوره بعدم الانتماء، و بالضياع .. يستمع لمن جاءوا مرحبين به من الجيران .. كل منهم يروي قصة عن الأهوال التي خبرها أو سمع بها .. شعر, بل آمن بأن من هربوا, هم أكثر الناس وطنية, لأنهم رفضوا أن يكونوا شركاء في ما حدث ... و بأن هذه المدينة لم تعد له.. و بأنها أضحت للمسلح الذي يقف هذه اللحظة أمام منزله .. تحولت بيروت الى جحيم, وها هو, يقف كالمعلق في الهواء, بين غربتين, "بين بيروت وباريس، بين الوطن والمهجر",... وكالهدير, جاء صوت فيروز "يا هوا بيروت، يا هوا الايام، ارجعي يا بيروت بترجع الايام"
منذ ١٧ عاما خلت، أهداني أحد أعز الأصدقاء نسخة من هذا الكتاب. قرأته وقتها في عجالة و سطحية أعدت القراءة اليوم، بعد سنوات من الغربة و الاغتراب، و من تناسخ حرب بيروت في بلدي الشام الغربة غربتان، و حرقتان و ما كان يمكن أن يقرأ يوما، منذ عقود، في عجالة، يستوقفني اليوم بإلحاح و عنف، و بألم
هذه الرواية عن بيروت، صارت رواية عن كل حرائقنا ..و عن الشام
------- اقتباسات من الرواية "لا يتذكر أين قرأ مرة أن الوطن ذبحة...قلبية" "نعود إلى بيروت...عندما تعود بيروت إلى عقلها" "و كل واحد يرفض العودة إلى بيروت... و يحب بيروت. و يحن إلى بيروت. و يبكي بيروت" "الغربتان... بين التمزق على الوطن، و التمزق منه" "شعر بأنه وحده... وحده يستمع إلى فيروز"
كنتُ أسمع به صحفيًّا واليوم قرأتُهُ نبيل خوري الَّذِي عاش الغربتين وروى "الغربتان" غربة فلسطينيته في بيروت وغربة لبنانيّته في باريس روايته "الغربتان" تتحدث عن بيروت التي لم تعد بيروت بسبب الحرب الأهلية. هل تعلم يا سيدي نبيل خوري أنَّ بيروت اليوم تعيش غربتها الأقصى والأصعب؟