النساء أنيقات في الأسماء والعناوين. في الشعر لهن تلك الرقة والرشاقة الاستثنائية حتى في الحزن يملكن طاقة ألاَّ تغادره ولا يغادرك. حين يكتبن عن الحب ستجد نفسك محروساً بالفراشات والضوء والينابيع والسَعَة. في التفاصيل الصغيرة التي تصبح وكأنها لا متناهية، وجزءاً رئيساً من البشر والأشياء والذكريات؛ والأهم خزانة الحس... خزانة الأسرار المفتوحة على أكثر من فضاء.
في مجموعتها «بيت بفيء الياسمين»، للشاعرة فضيلة الموسوي، الصادرة عن»دار مسعى» للعام الجاري (2016)، نرى، نسمع، نقبض على ما استطعنا إليه سبيلاً. كل على شاكلته يقبض ويقرأ. تترك ذلك الهامش/ الفضاء. الشعر الذي يتيح لك خيارات التأويل وتشظِّي المعنى، هو النص الذي لابد أن تركن إليه.
دخلت الى البيت بيت السيد واخذت تميمة من تلك التمائم وحفظتهاوجلت بين الكتب الخمرية وعرجت على الياسمينة وتفيئت بفيئها وسحبت عطرها الى اعماقي.... تجولت في ذلك البيت رأيت عماتنا النخلات وما يحملن من انواع الرطب.. جلست في العريش ارقب النساء الداخلات والخارجات.... الى الصناع وعمائم المحمرة... ترقبت وﻻدة الثمرات...لم يكن بودي ان انتهي من قرائته
العزيزة فضيلة اخذني بيت بفيء الياسمين الى زمن اتوق العيش فيه البيت العود...والعائلة الكبيرة إبداع واتمنى ان نرى المزيد من ابداعاتك مستقبلا
قراءة ديوان (بيت بفيء الياسمين) للشاعرة فضيلة الموسوي، الصادر عن دار مسعى
أنا نفسي مستغرب، أني أكتب مراجعة لديوان شعر! فقد تعودت أن أكتب عن قصص الأطفال وروايات اليافعين، لكن قراءتي لسيرة السيد الملقب بالخطيب العدناني في كتاب (نسيج العمامة) للكاتب حسين المحروس، دفعني لكي أقرأ هذا الديوان، وهو لابنة السيد، وتحكي فيه سيرة أبيها وأمها والبيت والأسرة.
وحتى أمسك بالقارئ من البداية، سأذكر مناسبة العنوان (بيت بفيء الياسمين)، حيث أن السيد، وهو خطيب حسيني معروف، كان يحب الورود، وخصوصًا (الياسمين)، التي زرعها في كل بيت من بيوته، وفي بيت (النعيم) عندما طال غصن شجرة الورد، التي كانت خلف نافذة غرفة النوم، أخذ الغصن وأدخله إلى الغرفة، ولفّه على مخدع الحب!
وقصة زواجه بزوجته الثانية (باريس) هو أنه كان يذهب إلى المنامة بدراجته الهوائية، ويتركها في بيت أحد أقربائه، وهو بيت معلمة للقرآن، وعندما ينهي أعماله يعود ليأخذ الدراجة. وفي يوم من الأيام خرجت قريبته معلمة القرآن من البيت وتركت تلاميذها يقومون بمهام البيت من تنظيف وكنس (كمقابل للتعليم)، في تلك الأثناء شب حريق في البيت فهرب الأطفال جميعهم، ما عدا فتاة واحدة، بحثت عن الأشياء الثمينة في البيت لتنقذها، فما وجدت إلا البقرة ودراجة السيد، أخرجتهما ثم نجت بنفسها، عندما علم السيد بالموضوع قال لمعلمة القرآن: من هي التي أنقذت دراجتي، أريد الزواج منها! هكذا انقدح الحب في لحظة ليست في الحسبان "منذ ليل الدراجة الهوائية، شقّ بها الهواء، فشقت صدره بالهوى".
كان للسيد عادات مميزة، منها أنه كان يعطي أسماءً خاصة لكل شيء، فقد سمى زوجاته الأربع بأسماء غير أسمائهن (برلين، باريس، منارس، وردة الحب)، وكان يسمي كل شيء على هذا النمط، بيوته الأربعة، غرف البيت، أدواته، حتى دراجاته النارية، والظريف أنه كان يتنقل بين مجالسه بالدراجة، يضع العمامة في الصندوق ويسير من مجلس حسيني إلى آخر.
كان يحب الصور، وفي جدران غرفه الكثير من الصور المتنوعة: صور بورتريه شخصية، صور خطباء، صور ممثلين، لوحات عالمية، الموناليزا..
كان السيد شاعرًا، وقد ورثت ابنته (فضيلة)، وهي واحدة من أربعة وثلاثين ابنًا وبنتًا للسيد، ورثت عنه الشعر، وهي تشعر بخصوصية تجاه ذلك "كنتُ وحدي.. ولي وحدي كل عيونه"، وجاء ديوانها هذا يحكي سيرة هذا البيت، الذي تعيش فيه شجرة الياسمين ليس كشجرة، وإنما كفرد من أفراد العائلة، كفرد له سلطة، بل هيمنة، ناعمة، وفوّاحة.. لها العرش.
البحرين بلد مناخه صحراوي حار، لا تنبت فيه الورود التي نقرأ عنها في قصص الحب، لكن فيه أنواع قليلة من الورد، على رأسها الياسمين، لذا يحظى هذا النوع من الورود بمكانة خاصة بين الناس، خصوصًا أن هذه الوردة التي "تغدق العطر وتسكب اللون" هي أول من يستقبلك عند زيارة البيت الذي تُزهر فيه، فرائحتها تصل إلى مسافة مترين أو ثلاثة، ومع أول نسائم العطر تشعر أن هذا البيت مختلف.
سأتكلم عن أبرز ما لفت انتباهي في الديوان، وهو: (تماهي الحدود بين الحقيقة والمجاز)، مثل الأفق في السماء، يراه الرائي، ويرسمه الرسام، ويحدد بحسبه الفلكي غروب الشمس، إلا أنك لو اتجهت نحوه فلن تجده، فكيف يكون حقيقيًا لهذه الدرجة، وليس حقيقًا في ذات الوقت.
فالزوجة التي تفكّ العمامة وتفركها بالماء "لأمي فيها الحظوة الأولى في غسلها من غبار الفيافي والمعارك لترشح دماءً ودموعًا، سوادًا جليلًا من بهاء الأحزان. لها أنامل تصون بأوراق الكشفِ من وطأة الماء والصابون." فالظاهر هو قطعة قماش سوداء تُغسل، فيتساقط منها ماء يحمل القليل من لونها.. فهل هذا الظاهر هو الحقيقة؟ إذا كان كذلك فلماذا هذه الحظوة التي تنالها يد الغاسلة؟ ولماذا تأتي نسوة الحي لأخذ نصيبهن من بركة هذا الماء وكأنها قطرات دواء؟ ويأتين بعدها بأيام ليحكين عن الشفاءات التي حصلت والجراح التي اندملت؟! إنه دنيوي إذًا، بقدر ما هو سماوي، فهناك "حبل سري يصل الطين بالسماء".
هذه العمامة والماء المتساقط منها، تُعرفه الشاعرة بنحو آخر، أكثر صدقًا: "خيطها الناعم الشفيفُ من نسيج قلب صاحبها يدور طوقًا على سور الحديقة فيما مسيلُها قطرات دواءٍ تلتقطها النساءُ سراعًا قبل مباغتة الشمسِ" الشاعرة تنظر لهذا الماء المنسكب أنه عصارة قلب، وأنّه مليئ بدموعٍ صَبّتها أحداقٌ والهة.. هذه القطعة الطويلة من القماش تحوي مسيرة الحسين (ع) من خروجه من بيته حتى استشهاده، وكأنّ القافلة مشت على هذا الطريق، وداست عليه، والمعركة حصلت فوقها.. هي مباركة، وسماوية. في هذه اللوحة حتى الخيال يكون "كفيفًا".
كتبت الشاعرة في هذا الديوان عن كلّ ما يخص الأسرة، بعبارة أدق "كل أفراد الأسرة"، فكل شيء حي، مليء بالحب، حتى محبرة أبيها، وقد ظلّ السيد يستعمل قلم الحبر والمحبرة القديمة طوال حياته، ومن أُلفته بأغراضه أصبحت صديقة له، حتى لو اندلق الحبر الأسود على الثوب الأبيض، فلا يوجد ما يثير الغضب؛ إنه شهي: "محبرة باركر شهي ذلك السائل السحري من فرط شهوته اندلقت القصيدة على ثوبه".
بل حتى الختم الذي يستخدمه ما هو إلا "قبلة على جبين الكتاب".
أما النخلات فهنّ العمات الحنونات، هذه هي الحقيقة، وليست من خيال شاعر، وإلا فلماذا تتنافس هي والأم "تتدلّى العناقيد الحمراء والصفراء، لتقارع رحم الأم الولود"، هذا التنافس ليس المقصود منه التنافس المؤدي إلى الغيرة فهنّ "صديقاتُ أمي في موكب الحمل والولادة".
تحدثت الشاعرة مطولًا في ديوانها عن أبيها، ذلك الرجل الذي "أكثّف فيك كل الرجال الذين أحببتْ".
وكذلك تحدثت مطولًا عن الأم التي "أكثف فيك أعياد الأمهات". وتلخص نظرتها لأمها على أنها "أمي ملكة، تخدمُ وتحكمُ". هذه الأم ذات الشخصية القوية، المرأة المدبرة، التي تبكّر في استيقاظها ف"يهبّ البيت مستنفرًا".
وتتحدث عن أخواتها اللائي هنّ " سبع بنات، آمالهنّ معلقة بمشجب القمر"، وحياتهنّ صاخبة "موبّخات على الدوام بجني الربيع، متَّهماتٍ بفصل الرائحة عن الوردة".
أما جدها لأمها فهو: "إذا وطأ البساتين انحنت له الأشجارُ، قطوفًا دانية".
أما جدتها لأمها فهي: "فراشةٌ يخدشها الهواءُ".
تصف الشاعرة بيتهم الكبير: "دار تسبح في الشمس من سبع نوافذ وبابين تركض فيها ريح الشمال" هذه الدار، الكائن الحي، حقيقة لا مجازًا، وإلا كيف تفسّر هذا المشهد: "هبط الوليد من جسد أمي ضحكت الياسمينة شعشع البيت واتّسع"! هذا البيت الذي عاش فيه "غرامٌ يشهق له القمرُ".
أمّا الجيران: "الجيران منازلُ التصقت جدرانها بعناق أبدي فيما الأبواب بوح الحكايات والأسرار". هكذا هي البيوت، بحيث "يذوب البيت في أفراح الحي ولا تذوب ذكرياتٌ تترقرق في حنين الكلام".
ملخص الكلام، أن هذا الشعر لا يمكن قراءته كطبقة واحدة، بل هو طبقات عدة، وحتى الشاعرة تعيش ذلك "أعيد رسمك ووصفك كما أشتهي"، فكلّ إعادة هي نص صادق آخر، لذلك ترى (المتناقضات) التي هي أقرب إلى الحقيقية، تراها كلها في مزهرية واحدة، فهذا الرجل المغمور والمكشوف في آن واحد "المغمور كنزه، والمكشوف صيته"، والذي يعيش ببساطة وبعمق في آن "في سروال أبيض.. ورأسًا يضج بالأحلام"، فما الصورة ونقيضها إلى طبقتين من الصورة.
(الحواس) كلها حاضرة وبقوة في هذه القصائد، من السمع والبصر واللمس وبطبيعة الحال الشم "والأنف لا يكف عن رائحة المرأة"، "مزاج يتخيّر رائحة الحبر وقشقشة الورق".. هذه الحواس ليست دنيوية فقط، فحتى بعد الانتقال إلى العالم الآخر: "دعوا القبر مفتوحًا ليتنفس رائحتنا"..
في بداية قراءتي للكتاب كنت أتساءل: من هي الياسمينة؟ هل هي "المُعرَّشة" في وسط الدار، أم "المعرّشة" في وسط القلب؟! وعندما انتهيتُ منه، لم يعد السؤال مهمًا، الأهم من كل ذلك هو عطرالياسمين، وفيئه.
أنا مع المذهب الذي ينكرُ وجود ما يسمى قصيدة نثرية. النثرُ نثر والقصيدة قصيدة. لذلك أبتعدُ عن قراءة هذا الصنف من الكتب، وإن قرأتُ شعراً نثرياً فأعلموا إني قرأتهُ مسيرا لا مخيرا، وللحق فأني لست مؤهلاً لكتابة مراجعة هنا، لأني .. وبكل بساطة لأ أفهم هذا الصنف من الكتابة حتى أراجعه، والمقام هُنا لغيري.
غير أنه ثمة ما يحرضني على تحية الموسوي لإتحاتها لنا أن نعيش حياة أُخرى أخذتها من جيب الخاص وقذفتها في فضاء العام. عرفنا السيد، وزوجته، وزوجته الثانية وتفاصيل كثيرة ما كُنا لنعرفها. لو كُتبت سرداً لعرفتُ أكثر، ولكن ربما لهذا الاسلوب حلاوة يعرُفها غيري فهنيئاً لهم.