غادرت مقهى المكسيك. غادرتُ دكاكين الخياطين في حارة بوعماير. غادرت وطني الضيق ذاك، وانطلقت في هجرة ثانية كبرىن لكن هذه المرة وأنا رجل مكتمل الرجولة. متزوّج وما لديّ زوجة. والد وما ولد. هكذا رأيت، كيف أن صرح حياتي كلما هممت بإضافة لبنة إلى بنيانه، تهاوت عند كل فاجعة لبناته...
كنت أبحث في مكتبة أبي عن كتاب أستمتع به في رحلة طويلة، جذبني عنوان هذا الكتاب ووقع عليه الاختيار. تصفحته لوهلة وبدا لي الأسلوب سهلا مسترسلا وظننت أن الكتاب عبارة عن قصة سريعة تداعب الخيال والأحاسيس في صفحات معدودات، فلكم أن تتخيلوا صدمتي عندما بدأت القصة، ووجدت أن للقسوة عدة أوجه وهي تمشي بيننا في الشوارع ، مهددة الصغار كما الكبار. استعصى علي الاستمتاع بقراءة الكتاب نظرا للعنف النفسي واللفظي الذي يعيشه الراوي منذ طفولته وقساوة المجتمع والحياة التي قدر له أن يولد فيهما.
سيرة داخل حكاية، شخص بصفة/ اسم بوقال يولد نكرة من أم يقال إنها ماتت لكنها ما تفتأ تعود دوما (نهاية القصة) بين والد وما ولد وزوج وما تزوج وحي ولم يحيَ بعد، سيرة متجذرة في عمق المجتمع المغربي للقراءة (الشخص الذي يركب القطار) والكتابة (بوقال) وبينهما ينتفي الحاكي والمحكي له في سيرورة من الوجد القرائي الصوفي الكبير الذي يستهدف مساءلة التاريخ والمجتمع المغربي أساسا.