يمكننا ان نحلل تأثير كاتب ما على قرائه إلى وجهات متمايزة برغم أنها متشابكة، فقد يتخذ تأثيره شكل الشهر التي ينالها، كما قد يتخذ تأثيره شكل النقد الذي يسعى إلى تحديد خصائصه المميزة، مناقشاً أهميتها وقيمتها، أو الأثر الفعلي الذي يحدثه في كتّاب آخرين، وأخيراً قد يكون تأثيره متخذاً شكل دراسة متمهلة دقيقة تحاول على نحو موضوعي أن تلقي ضزءاً كاشفاً عللا أعماله وحياته
هذا الكتاب عبارة عن مجموعة مقالات جمعها وحررها رينيه ويليك أستاذ الأدب المقارن في جامعة ييل، وترجمه إلى العربية نجيب المانع
أثناء استعراضي لكتب النقد الأدبي في المكتبة العامة وقع نظري مصادفة على هذا الكتاب الذي يضم مجموعة مقالات في أدب ديستويفسكي، و (هذا لو تعلمون عظيم) طيلة فترة قراءتي للكتاب كنت مشغولة بفكرة كيف لي أن أحتفظ بالكتاب لنفسي لا أرجعه للمكتبة .. ما علينا هناك فكرة طفولية ساذجة كنت قد كونتها دون وعي مني عن ديستويفسكي، وهو أنه مصدر ذو اتجاه واحد للإبداع الأدبي، أي انه مؤثر على أدب الآخرين لكن هو لم يتأثر من أدب غيره من المعاصرين أو السابقين له، لا أدري مصدر هذه الفكرة وكيف تكوّنت ولا أعلم لماذا اكتب هذه السذاجة، لكن أصبحت واعية بأنني امتلك هذه الفكرة أثناء قراءتي للكتاب لأنه يعرض طبيعة ومصادر ثقافة ديستويفسكي، والكتّاب الذي تأثر بهم والأفكار التي استقاها في كتابة روائعه الأدبية، والكشف عن مصادر ثقافة ديستويفسكي ممتع بقدر ما هو صادم هذا الكتاب يمثل نموذج بسيط لطوفان الدراسات الأدبية والنقدية التي تناولت أدب ديستويفسكي، لرصد الإكتشافات التي مثلها الكاتب في عالم الأدب والتي ترصد الخليط المعقد من الأفكار الدينية والفلسفية والإجتماعية والسياسية، ونقاط التحول الكبرى في شخصية ديستويفسكي والتي تعبر بشكل ما عن شخصية المثقف الروسي في القرن التاسع عشر. ببساطة الدراسات التي تناولت أثر ديستويفسكي لن أستطيع استيعاب مدى ضخامتها. الكاتب الروسي خلق شخصيات خالدة في الأدب العالمي، لأنه تم التعامل مع هذه الشخصيات وكأنها حقيقية الوجود في رصد أفعالها وتخمين ما قد تفعل في حالة خلق سيناريوهات مختلفة لها ومن أضخم هذه الشخصيات، راسكولينكوف في الجريمة والعقاب الذي كان يحاول اكتشاف ذاته عن طريق تخطي أو هدم الحدود الأخلاقية، مشيكين في الأبله الذي تحول لثقلاً أخلاقياً ضخماً على الآخرين، لم يتحمل الآخرين قدسيته، أو ايفان كارامازوف في الأخوة كارامازوف الذي يمثل الخلاصة العظمى في فكر ديستويفسكي في الحوار ما بين الإيمان والإلحاد، وخصوصا في الفصل الخالد المسمى بـ (المفتش الأعظم) هناك دراسات كاملة تتناول فقظ هذا الفصل وما يمثله من وعي مرعب للشرور الإنسانية والحوار المتناقض الذي ينشأ داخل الشخصية المعذبة ما بين الإيمان والإلحاد. هناك قائمة ضخمة من الشخصيات التي يجب التركيز عليها أثناء دراسة ديستويفسكي، لأن هذا الكاتب كان ناجح جداً بطريقة لم يجاريه فيها أي كاتب آخر في أعطاء أبعاد عميقة جدا وحقيقية لشخصياته وما تمثله هذه الشخصيات من مواقف اجتماعية وفكرية مدعمة بتجربة انسانية عاشها الكاتب نفسه . وفي أي عمل للكاتب فإن مجموع الشخصيات في الكتاب تمثل شخص واحد وهو ديستويفسكي نفسه اشعر ان الكلمات تخونني تماما في شرح أهمية هذا الكتاب، لكن أهميته يمكن استيعابها فقط حين إنهاءه ، ما أستطيع قوله ختاما لقراءتي، بالرغم من كوني أبذل مجهود كبير أثناء قراءة كتب ديستويفسكي إلا أن قراءة نقد (وهو ليس نقد بقدر ما هو تحليل) أشخاص متخصصين لهذا الأدب تساعدني على فتح جميع حواسي لإدراك العمق المخيف لهذا العالم الذي خلقه الكاتب العظيم، ولم يفلح أديب آخر للوصول لعظمته