_ سعيدة بنت المنصف لم ابدأ بك ، لذا لن تكوني خاتمتي ..
يُصر " غياث داؤد " على ان " اميرة حسين " الزوجة و الحبيبة التي فارقت الحياة فخلفت في قلبه اليأس و الغصة هي حب حياته الوحيد، الا انني كقارئة استغرقت في قراءة " خطوط الطول .. خطوط العرض " قرابة العشرين يوما اجد ان تلك التونسية " سعيدة بنت المنصف " هي الحب الحقيقي الذي لن يستطيع غياثنا المعطاء، الحنون، البارد الاعصاب، المعقد نفسياً وجنسياً ان يتخطاه ابداً ...
_ سعيدة بنت المنصف ، انا غياث داؤد ، اريدك من كل قلبي .
بهذا السطر الآسر ابتدا الصفحة الاولى من روايته فكانت علاقته مع بنت المنصف المُتعبة و الوحيدة و العدمية و المُستهلكة نفسياً وجسدياً مدخلاً لعشرات العلاقات الاخرى التي تؤكد لنا تناقض النفس البشرية و صراعاتها الداخلية التي كان الخوف و الجهل راعياً رسمياً لها ..
" حط الليل . حط الحزن "
" حط الليل و هب العجاج "
" حط الليل و طائر السماوة قد مضى "
بهذه الجملة يبدأ الربيعي اغلبية فصول روايته المتكونة من سبعة وعشرين فصلاً و نلاحظ انه يستعمل الفعل " حط " اي انحدر من الاعلى الى الاسفل ، فطائر السماوة اللقب الذي اطلقه الروائي على غياث داؤد ابن السماوة انحدر من الحضن الدافئ الام" حكيمة بنت جابر " و الحبيبة " هناء محمود " التي يذكر ندمه على فراقها و طلاقها في فصلين من الرواية، و الزوجة و الام الراحلة " أميرة حسين " التي توفيت قبل ان تحتضن جنينها الذي فارق الحياة مبكراً جداً هو الاخر .. الى ليالي السقوط و الظلام و الحرب و الرعب و النساء و العلاقات المتأزمة المتخمة بالخوف و العرق و الجنس في بيروت و تونس ... و رغم ان الليل حطَ على حياة طائر السماوة و رغم الاربتاك و القلق النفسي و التشتت العاطفي الذي كان يعيش فيه الا انه ظل يبحث عن وجه الام و الحبيبة و يحتاج اليهما في حياته و نرى ذلك واضحاً من خلال رغبته الدائمة بالعودة للقاء " سحر نحاس " المعلمة المتزوجة من رجل يعمل في فصيل مسلح او ميليشيا ما في بيروت و التي عاشت معه ثلاثة ايام في شقته، الا انها كانت ثلاثة ايام من النقاء والعاطفة العذرية البعيدة كل البعد عن اية رغبة او ملذات ...
من هنا نلاحظ ايضاً انه تخلى بسهولة عن " سميرة حليم " اللبنانية التي ملت من الحرب او من غياث فتركته يطير كما يشاء الى تونس و حبيبات او عشيقات اخريات عدة ، ربما لان سميرة حليم لم تكن بالنسبة لغياث الوجه الذي يرى فيه صورة " حكيمة بنت جابر " الام النقية ..
_ الحياة تستحق ان تعاش يا غياث، و حرام ان نفقدها بطريقة بشعة . ( صوت سميرة حليم في الصفحة 163 )
و نلاحظ في حوار اخر غياث و هو يخبر سميرة حليم بانها " فانت دنيوية بشكل مجنون " ( صوت غياث داؤد في الصفحة 133 ) و كلمة " دنيوية " بحد ذاتها تعطي للقارئ ايعازاً بان سميرة كانت محبة للحياة متمسكة بها تضحك لها و معها و هي تريد العيش بحرية و لهو دائم فتترك بيروت كلما تأزم الوضع و اشتدت الحرب لتعيش نعيماً اخر في " قبرص " و هذه الدنيوية لا تتفق مع صورة الام العراقية او الزوجة العراقية المتعبة التي لا تغادر عش الزوجية مهما استبدت بها الحياة و قاست منها فهي الصابرة و المعطاءة و ربما الماجدة بنظر بطل روايتنا العربي جداً ..
فغياث لم يكن بحاجة لامرأة دنيوية ليعيش معها حالة الحب، لانه وان غادر العراق لكنه مازال و سيبقى ابن هذا الوطن كما يعرف عن نفسه في الفصول الأخيرة من الرواية، فهو يبحث عن الحبيبة التي " لن تطمح باكثر من نظرة او كلمة جميلة وان تطور ذلك الى رسالة فهذا امر كبير " ( صوت غياث داؤد في الصفحة 120 ).
في الرواية اصوات كثيرة لشخصيات عديدة لم افهم لماذا خلقها الروائي مثل صوت خديجة بنت الهادي و صوت البواب و حتى اصوات بعض النساء اللواتي دخل معهن غياث في علاقات بائسة و كئيبة ... هذه الاصوات اضافت للرواية نكهة ممتعة رغم انها متعبة احياناً دفعتني لقراءة بعض الصفحات مرة و اثنتين للتمييز بينها ، هذه الاصوات متداخلة و تنطق في غير اوانها و هذا ما جعلني افسر عنوان الرواية ...
" خطوط الطول .. خطوط العرض "
كما لو انها مجرد خطوط تراوح في نفس مكانها طولاً و عرضاً لا تريد اكثر من البوح و التعبير عن مكنونات هذه النفس البشرية المليئة بالتناقض و العطش الباحثة عن " الارتواء " الذي كان يشكل من منظوري الشخصي القضية الاهم و الابرز في الرواية ...
_ لن يهمني عدد المرات بقدر ما يهمني الارتواء . وهذا ما لم يحدث حتى اليوم، لسبب بسيط واحد هو ان في عروقنا عطشاً ازلياً لا شافي له . ( صوت غياث داؤد في الصفحة 78 ).
في الرواية ايضاً اصوات أخرى رغم انحسار حركتها و عدم اتساع المساحة النصية التي منحها الكاتب لها الا انها برأيي اصوات ذات اهمية بالنسبة للنص لانها اضافت له تلك اللمسة التي تعطي لكل عمل ادبي لمعانه ، هذه الاصوات بالنسبة لي هي صوت الشاعر حسان صبحي الجريح و الطريد و المنفي الذي لم يجد مدينة تتسع لالامه سوى " بيروت " التي نخرت الحرب عظامها ولكنه رغم كل شيء بقي متمسكاً بها بكل اصابع يديه، و كذلك الرسام المتوحد الذي لم استسغ شخصيته العبثية و بروده و انعدام المبدا او الضمير لديه في بداية الرواية ..
_ اعرفتماها ؟
_ تلك المرأة.
_ اشتهيت ان انام معها ذات يوم وكنت عائداً لتوي من اسبانيا لآخذ بثاراتي الدفينة ...... ولكنني هربت منها بعد ان ذقتها مرة واحدة. فقد كانت لجسدها رائحة قاتلة يفرزها عند الجماع، ولعلها تتساءل لحد الان عن سر هروبي منها بعد ذلك اللقاء ؟ رغم انها حاولت ان تعيده مرات فلم تفلح .
( صوت الرسام المتوحد في الصفحة 79 )
الا انني احسستُ بالشفقة عليه في الفصول الاخيرة بعد انضمامه لفصيل مسلح يعمل تحت اسم طائفة ما، لكنني ارى ان الكاتب اراد ان يوصل فكرة ما للقارئ و هي ان الانسان لا يمكنه ان يعيش في الحياة عابثاً للابد حيث لابد له ان يتشبث بقضية ما في النهاية و عندما يتشبث بقضية لا ركائز ثابتة لها سيسقط قتيلاً بسببها
_ لو بدأت بالانحياز الديني بشكله العام لكان ذلك اهون، ولكن الانحياز الطائفي يتناقض تماماً مع المبادئ و التطلعات التي يؤمن بها جل المثقفين العرب في مثل هذه المرحلة ..... ثم متى كان الانتماء الطائفي اقوى من الانتماء القومي ؟ انت تستطيع ان تغير دينك او طائفتك ولكنك لا تستطيع ان تغير قوميتك فهي اصلك جذورك .
( صوت حسان صبحي في الصفحة 268 ).
الرواية ممتعة و صادقة وحقيقية جداً و عميقة، انصح بالقراءة و سأعطيها خمسة نجوم .