ليس من عادتي أن اقرا مثل هذه الكتب الخفيفة. ولكن مطالعتي لبعض تغريدات المهتمين بالأدب وما كتبوه عن إبداعات لبعض المغمورين جعلني أجرب حظي مع هذا الكتاب.
في البداية وعند مطالعتي للغلاف، احترت في اسم الكتاب..هل هو نهد الأرض بمعنى نهدم الأرض؟أم أن الكاتب يريد أن يحاكي نزار قباني عندما يدخل كلمة نهد في كل جملة مفيدة أو غير مفيدة؟
في المقدمة يتحدث الكاتب عن سبب تسمية الكتاب بنهد الأرض..ففلسطين مهد الحضارات..ومهد الحضارات يغذي الحضارات أجمع، فهي "التي أرضعت البشرية حليب حضارة لا ينفد"، كما يقول المؤلف
ما علينا..
يتحدث الكاتب عن تجربته في زيارة بلاده التي غادرها أبوه وأمه مبكرا قبل احتلالها..ويستقر في مدينة نوى السورية. هناك يتعرف الكاتب وهو طفل عن معنى مغادرة الديار. فهو لاجي ( أي لاجئ) بلهجة أهل نوى، مع أن مدينة نوى قريبة جدا من فلسطين..وبين فلسطين ومحافظة درعا صلات لا تقتصر على التجارة..بل يدخل فيها المصاهرة، وقد عمل الفلسطيني هناك كمعلم..في زمن كان المعلم فيه وجيها اجتماعيا له وزنه وقدره بين الناس.
ورغم ذلك..كان يقع على أسماع الكاتب عدة عبارات تتحدث عن دونيته كلاجئ من جهة..وعن وجوب بث الاحترام والتقدير الزائدين لمن آواه من جهة أخرى. وكأن الأرض التي خلقها الله..قد اشتراها بعض العباد منه فلا يحق لباقي الخلق أن يكون لهم من الحقوق المادية والمعنوية لما هو ممنوح لابن "الوطن السوري".
بل تصل الإهانة لللاجئ بأن يعاب المنكوب أو صاحب المصيبة بأن وجهه مثل وجه اللاجي!.هناك في تغريدة لي صور من معاناة المؤلف مع عار "اللجوء" الذي استباح كرامة الفلسطيني!
يعرج الكاتب على قصة سفره زائرا لبلاده فلسطين انطلاقا من سوريا، وكيف رأى تعلق جيل بأكمله بفلسطين رغم أنه لم يرها قبل ذلك ولم ينشأ فيها..فهناك من سافر مع خطيبته كي يقيما حفل زفافهما في فلسطين، وهناك من يريد أن يرى القلاع التي كانت لعائلته يوما ما..كما هو حال المؤلف أحمد برقاوي..فقد كانت جده إقطاعيا وله قصر في بلدته ذنابة.
يتحدث الكاتب عن المعنويات العالية للمسافرين الذين كانوا يغنون ويهتفون بالأهازيج الفلوكلورية الفلسطينية طيلة سفرهم، حتى وصلوا للحدود الفلسطينية.
لا يمكن المرور من الجسر الذي يربط بين الأردن وفلسطين دون الشعور بالغصة من طريقة تعامل اليهود مع المسافرين الفلسطينيين. قديما قبل معاهدة أوسلو كان الفلسطينيون يمتهنون عبر إجبار الرجال الفلسطينيين على التعري أمام مفتش بدعوى ضمان عدم تهريب أية ممنوعات. والنساء الفلسطينيات أمام مفتشة أيضا. ورغم زوال هذا النوع المهين من التفتيش، إلا أن المعاملة المستفزة مستمرة عبر الجسر.
ينتقل الكاتب للحديث عن أشياء هي: 1- حب البلاد..الذي يتجلى في أبسط الأشياء..فهذا زعتر من البلاد..وهذا سمك يافا..وهذا خبز البلاد. [استغربت عدم ذكر الكاتب لخبز الطابون..فقد شوقنا المسنون الفلسطينيون إلى هذا الخبز حتى صار حديث المجالس!]. كما أن الكاتب قد حرص على زيارة القلاع والقصور التي بناها أجداده..راغبا في اقتفاء أثر أجداده في تلك البيوت. فكان هذا التعلق لما بناه أجداده، الشكل المادي لشعور الفلسطيني الحالم بالعودة..فهو يريد أن يعود إلى بيت جده المهجور كي يستصلحه ويعلن أنه ابن هذه البلاد..وكفى.
2- النظر إلى المحتل باستصغار وبحتمية زوال الاحتلال اليهودي..كما رصده لنا الكاتب من المثقفين الذين التقاهم. فاليهود يعيشون في رعب دائم من الفلسطيني.. بدليل عزلة المستوطنات عن محيطها العربي..فكيف لهم أن يبقوا على علاقة ود مع الفلسطيني وهذا الرعب يسكنهم.
3- حفاوة كثير من العوام والمثقفين الفلسطينيين بالكاتب لما عرف بعضهم بأن الكاتب قد آتى من خارج فلسطين كي يرى بلده. فالفلسطيني المقيم يعتبر إكرام الفلسطيني المهاجر من لوازم الوطنية والشعور بالانتماء لفلسطين.
لم يفت الكاتب أن يروج لأيديولوجيته..فهو دارس للفلسفة في الاتحاد السوفييتي. وقد كان متضايقا من الفصل بين الجنسين..ومن لبس النساء للبرقع..ويبدي استغرابه من أي سلوك متحرر من المحجبات..لتناقض اللباس مع الفعال. فكان حديثه عنهن على طريقة: إنها محجبة ولكنها رائعة!
كل ذلك قد يبدو هينا..أمام المصيبة التي قالها في حق النبي يوسف عليه السلام..الذي سماه يوسف بلا وصف النبوة ولا بالصلاة والتسليم عليه. فقد قال:
...قال لنا أحد الذين جاؤوا مسلمين على عبد الرحمن أبو القاسم إن هذا القبر ليس قبر يوسف ولا هم يحزنون، إنه قبر شيخ دين من نابلس أقيم له هذا المقام تكريما له
يتابع الكاتب:
"على أية حال لم اكترث كثيرا بهذا المعلم الخالي مم الجمال، وأنا بالأصل لا أحب يوسف لأنه كان قاسيا جدا على المرأة التي أحبته. وديواني الأول يحتوي على قصيدة براءة (ما أنا يوسف يا بني أمي)..". انتهى كلام الكاتب.
ويبدو أن عفة يوسف عليه الصلاة والسلام، تضايق الرفاق المناضلين بين **** النساء. فالواجب على من وقع له مثل ما وقع للنبي أن يبادر للحب..ويرد الهيت لك بهيت لك أحسن منها :)..وألا يبالي بالعفاف ولا برد تكريم عزيز مصر ليوسف عليه السلام..فالحب ينتصر! love wins!
مما لفت نظري..وهو بالطبع شيء يستحق دراسة موسعة عما ورد في سطور الكتاب، حديث الكاتب عن النجمة السداسية..فهو لا يعتبرها يهودية الأصل..محتجا بدليلين من حقبتين مختلفتين هما: 1- كنعانية النجمة..وأنها ثابتة في نقوشهم..فانتفت بذلك يهوديتها 2- تقبل المسلمين لها..بدليل وجودها في نقوش التكية السليمانية بدمشق. ووجودها بشكل واضح في الزخارف الإسلامية..وتحديدا الأرابيسك الدمشقي.
بالنسبة لي..أمتع ما في الكتاب وصف النظرة الدونية التي يشعر بها اللاجئ الفلسطيني خارج بلاده..فقد أجاد وأبدع. كما أن بعض العبارات من كتابه تستحق أن تقتبس وتنشر على الملأ. ففيها توصيف لعقلية ونفسية العدو المحتل...وتوصيف لمعنويات ونظرة أبناء الأرض إلى العدو.
قد يكون هذا الشيء كتابا عاديا في نظر القراء.ولكن أمثال هذه الكتب ستكون شاهدة علينا عند أجيال لاحقة، تريد البحث عن اتجاهات الشعب الفلسطيني حيال العدو. قديما يقال: الشعر ديوان العرب..ففيه تروى الحكايات وتوثق الأحداث..وحاليا: مثل هذه المقالات والكتيبات هي التي ستروي حقا ما نحن عليه من مواقف ومشاعر قد لا تجد ما يسجلها إلا مثل هذه الكتيبات.
إنه الحلم الذي يعيشه الفلسطيني والأمل الذي ينتظر تحققه ومحوره الوحيد العودة إلى الوطن وطن لا يعرفه الكثير ممن عاشوا تحت وطأة اللجوء فشكلوا صورا عن "البلاد" من قصص وذكريات الأهل الوطن هو الثبات والمعنى والوجود "هو المكان الذي يمنحهم "الدائم " والأهم، هو الحق الذي سيعبر بهم من ضفة "لاجئ" إلى ضفة "مواطن
إنها أجيال محكومة بالأمل
فيقول الكاتب: الفلسطيني اللاجئ يرث الانتظار والأمل كما يرث قسمات وجهه ويقول: أن يكون لك وطن يعني أن يكون لك حق غير قابل للإلغاء والاعتداء
وفي هذا السرد الشفاف، تفاصيل حلم تحول إلى حقيقة، ولو لفترة قصيرة. يزور الكاتب أرضه التي لم يرها من قبل بعد إحدى وستين عاما، ونعيش معه المشاعر والأحاسيس والتاريخ، وتروي لنا الأماكن الذكريات والتفاصيل والأفراح والأحزان، وتتحول الزيارة إلى نقطة فاصلة في حياته يحتل عندها مفهوم "العودة" مكان "الشتات"، لتكون "البلاد" في عينيه هي العالم بأسره
فيقول: ما أجمل "البلاد"، وال التعريف هنا تنطوي على معنى خفي، أن فلسطين وحدها البلاد.
ربما نجد في طيات هذا السرد ما هو مختلف عن مفهوم العودة في أدبيات كتاب آخرين (مثل رأيت رام الله لمريد البرغوثي والعودة لغادة الكرمي) لأنها الأرض التي لم يزرها من قبل، لذا فهو لا يقارن بين ما استأصل داخله من ذكريات وما عاد إليه، بل يعيش الواقع الحالي بكل تفاصيله والتي لا يرى فيها سوى بهاء الوطن وسموه بأهله
هي ثوابت لا تصدأ، فهذا شعب مرتبط بعقيدة تتوارثها الأجيال: العودة العودة إلى كل شبر محتل، ويقين دائم بزوال الاحتلال
فيقول: كل هذه المستوطنات ستزول حتما، والدولة الفلسطينية آتية لا ريب، وعاصمتها القدس الشريف، والإسرائيليون يعرفون ذلك.