في كتابه "السرد الفلسفي" يكشف "عبد اللطيف الحرز" عن وجه آخر للفلسفة غير البحث الاستدلالي؛ ألَا وهو (حكواتي سردي) وهو ما يشير إليه بقوله أن الفلسفة هي مجموعة تصوراتنا نحن عن الوجود، وهي تصورات لكائن حادث زماني، وقد توصل إلى هذه المعرفة المتكلمون من خلال تطور زماني في سنوات التعليم والتعلَم. إذن كل المفاهيم الفلسفية من هذه الناحية هي مفاهيم زمانية، وبالتالي فهي جزء من تاريخ شخصي لمجموعة من الناس. وبناءً على ما تقدم يوضح كتاب "السرد الفلسفي" استخدام تقنية القصة والحكاية في الفلسفة ويقدم حكايات فريدة تناقلت بين كتب الفلاسفة منذ حضارة البابليين والمصريين وحتى ما بعد ظهور المسيحية والاسلام. حكايات ومناقشات تتجاوز المعقول والمنقول حيث يمتزج التاريخ بالعقل، والبرهان بالحكاية. يضم الكتاب مقدمة وفصلين: في المقدمة ثلاثة مباحث هي "ارتباكات الكتابة بين الاستدلال والتخيل"، "من حدوث العالم إلى زمانية الفلسفة"، "جارية الرومي وحورية الطباطبائي". أما الفصل الأول فجاء بعنوان: [ أبو حامد الغزالي، فلسفة الحجَام وعسل الاستعارة) ويضم سبعة مباحث نذكر منها: "بين الغوالي وابن طفيل، السرد جامع الفلاسفة"، "التواصل السردي من ابن الطفيل والسهروردي إلى العطار وابن سينا"... الخ. وأما الفصل الثاني فحمل عنوان: [ ملا صدرا"، "الإمام الخميني"، التصوف استراحة المحارب"، "معنويات تخييلية بين الطباطبائي والجيلاني"...الخ.
7كتاب السرد الفلسفي (تجاذبات قولية بين الغزالي والسهروردي، حكايات عقلية من افلاطون الي الطباطبائي ) لعبد اللطيف الحرز
يبدأ الكاتب كتاب السرد الفلسفي (تجاذبات قولية بين الغزالي والسهروردي، حكايات عقلية من افلاطون الي الطباطبائي ) لعبد اللطيف الحرز
يبدأ الكاتب بمقدمة بديعة عن محاولة الفلسفة المتكررة في الظهور باعتبارها البناء الصارم الذي يتطابق فيه المعقول مع الموجود! وبالتالي ابتعدت عن الشعر والخطابة والقصة والحكاية والمجاز واللغة والبلاغة، وعلى الرغم من ان الفلسفة هي جزء من الادب كما انها هي جزء من التاريخ الا انه اي اقتراب منهما كان يعد من عدم الدقة النظرية والابتعاد عن الحقيقة، ويستدل على هذا الوجه من وجوه الفلسفة من حكاية وسرد ومجاز عند افلاطون وجلال الدين الرومي والسهروردي عن الاله، ثم بعض الحكايات عن جلال الدين الرومي والطباطبائي المفعمة بالخيال الصوفي الفلسفي والتي حرص على نقلها الفلاسفة مثل ابن سينا والطوسي والشيرازي كجزء من التأصيل الفلسفي مثلها مثل الاستدلال والعقل والبرهان.
ثم يبدا الفصل الاول بالحديث عن أنموذجين هما الامام الغزالي وابن الطفيل : فالغزالي عنده حسب رأيه ضحية تدخلات صدامية بين النظم البيانية والمعرفية والبرهانية والعرفانية، وان ما يبدو عليه من صلابة استدلالية وبرهانية في مواجهة الخصوم هو مغرق في السرد والحكاية والمجاز، ويستعرض نقده للغزالي في باقي الفصل من خلال بعض الفقرات من كتابه ( تهافت الفلاسفة ) والهجوم على ابن سينا والمتكلمين، ثم يرجع للقصة عند الغزالي في كتابه (المنقذ من الضلال) و (احياء علوم الدين) واحتواءه على قصص شخصية وسيرة ذاتية للغزالي بالاضافة للحبكة والمغامرة الايمانية والتي يكون بطلها هو البحث عن الايمان بعد رحلة الشك الطويلة. وكذلك محاولة تلبيسه لعزلتة السياسية من قبل السلطة بانها عزلة دينية ايمانية لمراجعة النفس وايضا عودته بانها مشيئة ربانية، ويكمل مع الغزالي في تتبع مواطن السرد والحكاية والمجاز ومكمن العاطفة والجياشة وسحر البيان واللغة وهو الوجه الذي لا تظهره الفلسفة.
وما ان ينتهي من الغزالي حتى يبدأ مع الفيلسوف ابن الطفيل من خلال قصته وهي رواية فلسفية تتحدث عن بطل (حي بن قيظان) ولد من رحم الطبيعة يعيش في جزيرة بمفرده ثم يكون من خلال البيئة المحيطة به صور عن الإله والوجود والحياة، ويتتبع الكاتب دور السرد وطغيانه عن البرهان في حبكة بلاغية عالية، وكيف تطورت هذه القصة من ابن الطفيل حتى ابن النفيس والسهروردي وابن سينا والطوسي وابن اسحاق في سبك كل منهم القصة والرواية باسلحته البلاغية والخيالية والعاطفية حسب ما يتوافق مع مذهبه وافكاره حتى ترجمت ووصلت لفرنسا ليواقفها الفيلسوف جان لوك المناصر للطبيعة، بل ويرجع اصلها للحضارات القديمة حتى تلقفها علماء اللاهوت المسيحي في مسألة الولاد بدون رجل.
ينتهي ويشرع في الفصل الثاني في الحديث عن الفيلسوف صدر الدين الشيرازي(ملا صدر ) ومابينه وبين افلاطون. في البداية يوضح مكانة الشيرازي الفلسفية من بين علماء عصره من المسلمين فهو البوتقة التي جمعت كل السابقين، مختلافا عن الغزالي والسهروردي حيث غلبا جانب الباطن عن الجانب النظري، ثم يتحدث عن المذهب الفلسفي للشيرازي المخالف لفلاسفة عصره وهو في قوله بأصالة الوجود لا الماهية وكذلك ان العلم الحصولي(الغيبي) يعتمد على معرفة المجهول التصوري والتصديقي، وبالتالي لا يمكن الوصول الي الوجود في العلم الحصولي حيث لا يمكن اقامة البرهان على مجهول، وان العقل هنا وظيفته الوصول لا الانتاج المعرفي وهو بذلك ايصال ناقص يحتاج الي نوع من انواع الكشف.
ثم ينتقل الي الجانب السردي في فلسفة الشيرازي وهو ما يتشابه كثيرا مع الغزالي في دمج السيرة الذاتية مع الوجدان الصوفي وكذلك بقوله بأصالة الماهية ثم الرجوع والتوبة بعد ممارسات ونوع من انواع الكشف الرباني والقول بأصالة الوجود، وايضا الهجوم العنيف على المخالفين من الفقهاء والفلاسفة من مبدأ انه هو من جلب ذلك السخط لنفسه بسبب تبسيط الفلسفة للتلاميذ والخصوم عكس الغزالي الذي رفض المذهب الفلسفي من اساسه، وايضا صدامه مع السلطة الصفوية لتظل فلسفة الشيرازي ساكنة حتى جاء الخميني في ايران واعاد احياؤها من جديد.
وما ان ينتهي من الشيرازي حتى يتحدث عن المظفر وهو فقيه فيلسوف من العصر المتقدم في القرن العشرين وما تشابه فيه مع الشرازي من محنة شخصية في هجوم الفقهاء عليه بسبب المسلك المخالف للسلطة انذاك ولجوءه للسرد والعاطفة الخيالية في حكي مذاهب فلسفته وتأثره الكبير بالشيرازي سواء في الشعر او الخيال الصوفي الكشفي، ويتواصل بالحديث عن الفقهاء العاملين بالفلسفة ومنهم الخميني قبل وبعد استلام السلطة في ايران ويكشف عن الرسالة التي دعا فيها رئيس الاتحاد السوفيتي (خورباتشوف) بقراءة كتاب الحكمة المتعالية للشيرازي، مستخدما لغة كلاسيكية قديمة مع رجل صاحب تعليم عصري، ويبرر ذلك بأنه مقصود فهو لا يخاطب فقط الخارج بل الداخل من الجموع والمريدين، بل وستتحول الي متن يتم تدريسه في الحوزات العلمية في ايران.
ثم يتتبع دور الخطاب البلاغي عند الخميني وما يحتويه من ترميز وتورية وخيال خوفا من الاصطدام بالموروث الجمعي لدى الناس، ويختم الكتاب بحديثه عن الطباطبائي والذي كان يرفض السرد والخيال والشعر وان السعادة للانسان تتأتى من خلال إلتزامه بالنصوص الرسمية وعدم الشذوذ عنها، لكن يتطرق للسردي والمتخيل عند الطباطبائي من خلال شراحه وابرزهم محمد حسين الطهراني الذي يرى فيه كتلة عاطفية فياضة حاكيا عنه من خلال الشعر ملاحم وجدانية فريدة وهو عكس ما يظهر عليه الطباطباىي من الجدة النظرية والصرامة العقلية .