نوح الخجول، نوح الطيب، نوح المُنصت، نوح الهائم بحب التاريخ، نوح المؤمن بالرسائل الربانية، نوح عاشق أسماء، نوح المتأثر برحيل صديقه الأثير، نوح الذي قضى عمره وسط صمت القبور، و قداسة المعابد التي اتضح أيضًا أنها جنائزية، حياة أنذرت للموت، بالنار عاش، و عند غيابها مات.
هل تلبسته اللعنة، أم أصابته لوثة، أم ما فيه هو لب اليقين؟ حقيقة لا نعلم شيئًا غير أن هذا العمل سلس، و رشيق، و يصل للب الحكاية دون إطالة، هل تحولت الأحزان إلى واحة للإلهام أم أورث أهله الأحزان؟
كان "نوح" يقرأ في كتب التاريخ بنهم ويقع أثيرا لهذه الكتب، و"عزيز" كان أيضا يقرأ لكن ليس بنهم "نوح". من بين كتب التاريخ لم ترق لـ "عزيز" إلا اللذائذ، فضائح الملوك والأمراء، شهوات المماليك للدم والمرأة، الجنس السائل بين صفحات الكتب، أما "نوح" فكان مبهورًا بالحكايات، يبحث في كل كتاب عن الحكاية ليرويها لـ"عزيز" في جلسة الصفاء معه، ويومًا قرأ عن ابنة خمارويه بن أحمد بن طولون، فطار فرحًا يقص علي "عزيز" حكاياتها قطر الندي أسماء أميرة ابنة ملك وحفيدة ملك وستتزوج ملكا يا لحسرتك يا "نوح". يسخر "عزيز" من لهفة "نوح" في الحكي. لم يشهد المصريون طيلة عهدهم أميرة في ذكاء أسماء ولا في جمالها، ولا رقتها، زُفَّت للخليفة "المعتضد"، وهناك رأت ما رأت وليتها... - يا "نوح" ما لنا ولقطر الندي التي ماتت هي وأهلها منذ مئات السنين. - كان اسمها أسماء، وكانت أميرة. "أسماء أميرة علي قلبي، ولن تَرضي أن يُقطَّع حزنا عليها" - ومتي ستنسي "أسماء"، الموت كل يوم أمامك تشاهده بعينيك، لم تتعلم منه دفن ذكرياتك، كل شيء يموت ويُدفن، وأنت تأبي أن تُميت الحب الذي يرعي في قلبك، ولم تفلح معك حكايات أبي وأبيك. - أين أنتِ يا "أسماء"؟ وبكي "نوح" وغابت القسوة من كلام "عزيز"، واقترب وأراد أن يضمه لكنه اكتفي بأن يربت علي كتفه. - لن تكف يا "نوح" عن البكاء، طالما تَذْكرُها، عِشْ حياتك، تمتع بكل ما فيها. الوجود نغمة ساحرة صَمَّ "نوح" آذانه عنها، أغلق قلبه عن استقبال الحياة، "عزيز" يعيش الحياة ويستمتع بكل ما فيها، تُطربه الموسيقي، ويلذ بالنظر أحيانا في بعض الكتب والأشعار كي ينقل منها بعض العبارات ليقولها لحبيباته، لم يحرم جسده متعة طارئة، لم ينس أنه إنسان لا يكف جسده وروحه عن الاحتياج، يشتاق لكلمة حلوة، لنظرة من عيني فاتنة أو ضمة أو لثمة أو عناق يدغدغ عظامه. وخرجت قطر الندي في موكب تتبعها الزغاريدُ من مدينة القطائع إلي بغداد حيثُ الأبهةُ والزينةُ تحفُّها من كل مكان، ولما استوحشتْ الصحراء، اقترح من له معرفة بنفوس الحسناوات، أن يُبني في كل استراحة تقف بها قافلة العرس ما يشبه القصر الذي نشأت فيه قطر الندي، طوبة من ذهب، طوبة من فضة، هكذا ارتفعت الجدران أمام عينيها، أسلمت عينيها للصحراء فارتابت، أين قصر أبيها؟ أين بركة الزئبق؟، وراحت نظرتها تنام علي غلام أشقر يجري هنا وهناك في خفة، كان مجلوبًا لخدمتها، كم سيوحشها افتقاد ذلك الوجه الناضر! عرفته منذ صباها، عينان ناعستان كعيني ظبية، جلده رقيق كجارية مجلوَّة لعرسها، أسنان في بياض الثلج، وغُنة صوت تهدهد دقات قلبها، تشعر بالألم من الجلوس طوال الرحلة فتمد قدميها فتأتي جارية في خفة الريح فتريح قدميْ الأميرة علي سبيكة كبيرة من الذهب. بعد عصر يوم دار "نوح" حول سور القرافة كمن يبحث عن شيء، لف المكان حتي انتهي إلي الخلاء حيث الرمال الناعمة تداعب حذاءه، اصفرار الشمس واصفرار الرمال ينعكسان علي صفحة وجهه فتبرق عيناه بالاصفرار، من بين أجفانه سالت نظرة حزينة؛ نظرة حنون، "نوح" كطفل جائع يبحث في يأسٍ عن ثدي أمه، بصبر يمد بصره هناك حيث اللاشيء، يريد أن يذهب، ثمة نداء ما يهتف في أعماقه بقوة، يدعوه لخوض الصحراء ماشيًا والعيش منفردًا لمدة طويلة، الغروب يوشك علي مدِّ ظلاله علي القرية، والطفل من بئر مظلمة يصرخ وهو يري أثداء متدلية من فوهة البئر لنساء يشبهن أمه، حنين موجع لديه ليلقم نهد الصحراء الضامر. في الليلة الأولي، في القصر وأبهته، الجدران المكسوّة برخام ينفث نورًا ممزوجًا بمسك يتطاير ليمسَّ الأنوف، البُسُط المفروشة والمصنوعة من أنوال ريحِ الصَّبا، مُعشَّقة نوافذُ القصر بأبنوس عجيب، مطلي بماء الذهب، عاشق ومعشوق، كأنَّ دِنان الخمر منسكبةٌ في رؤوس الجواري فيخطرن كما الملائكة، والغلمان وما أدراك ما نعومتهم وتراقص مشيتهم، كأنهم يتدافعون لخدمة الأميرة المصرية الجديدة، وعلي سرير حواشيه بطائنها من حرير ناعم، نامت قطر الندي، نعست عيناها، فكأنما لم تذق النوم بمصر، سرحت أحلامها هناك حيث قصر أبيها وجدِّها، قصر وقصر وبينهما تُعقَد مفاضلة، وفي السَّحر تقاطر العسل من شفتيها، رأي الخليفة رضابا يسيل، وتحرك اللسان، فبرق الثغر من بين نُدف السحب المنضدة بعناية، رأي واشتهي وضنَّ، قال لوزيره وكاتم سره: أنا أولي بأسماء من أي أحد حتي لو كان ابني. ولمَّا رأي الوزير اشتهاء الملك يسيل من بين حروف كلامه وهو يُحدثه، أمَّن علي كلام الخليفة واطمأنَّ قلبه. صرخَ "نوح" في لهفة: - قافلة العُرس مرَّت من هنا، قدما "أسماء" داست هذه البقعة، انظر يا "عزيز"، أقدامها الصغيرة ها هي، أنا أعرف خطوها، كثيرا ما تبعتها وكنت أخطو فوق خطوها، أضع القدم علي القدم ألا تصدقني؟، عندك حق أنت تنظر بعينك أما أنا فأنظر بعيني قلبي، قلبي الذي لم يخطئ مرة في معرفة طريق مرَّتْ فيه أسماء، من هنا مرَّتْ انظر، يا "عزيز" انظر. - قطر الندي أم أسماء؟ - قطر الندي هي أسماء، وأسماء هي قطر الندي، لماذا لا تصدقني؟ - هيا بنا يا "نوح" نعود. - لماذا جئت ورائي، أنا أريد أن أبقي وحدي، مرقت بين شواهد القبور لتراقبني. - لا أراقبك، لكنْ أبوك هو الذي قال لي اتبع "نوح"، لا تدعه يسير وحيدا، أبوك يظنك مجنونا يا "نوح". وبكي "نوح".... قطر الندي في قصر جديد بُني لها خصيصا كي تسكنه، لا هو يشبه قصر أبيها ولا القصر الذي سال فيه العسل من فمها، بركة الزئبق أصبحت بحيرة، تمرح فيها الألوان البرَّاقة، الشمس تسطع فتجري خيوطها علي صفحتها، في حديقة القصر الممتدة أمام عينيها تخطر الظباء في رشاقة، تتدلي من بين أغصان الشجر أذرع القرود، تتقافز، وتتهارش متضاحكة، أسود ضارية محبوسة في أقفاص حديدية وعليها حرَّاس مدربون علي التعامل معها، طواويس تنقر نوافذ حجرتها، تلك التي باتساع عشر حجرات من حجرات قصر أبيها، في صباح اليوم الأول، استيقظت علي شعاع رفيع تسلل عبر النافذة ليخدش نومها، قامت والضحي يلف المكان بشمسه الحنون، استرخت في حوض مملوء بنبيذ ممزوج بحليب، تعاون الجواري علي تدليك جلدها الناعم، رقة لم تعهدها الجواري في أجساد الأميرات، وتهامسن "نهدا الأميرة المصرية مدملك، الماء ينزلق حرًا مرحًا علي الجسد، كأن جسدها قد نحته نحات من الذين يجيئون مدينة المسرة "سامراء" يقومون بتفصيل ونحت أجساد لأشخاص علي هيئة الرجال والنساء، وينحتون أشكالا أخري لحيوانات، تُعرض كلها في احتفال كبير ويأتي الناس من بغداد وباقي البلدان ليشاهدوا ذلك المحفل، التماثيل تبرق كأنها الماس لم ينقصها سوي أن تُلقَي فيها نفخة الروح فتطير بأجنحة كأجنحة الملائكة، نجم مصري في سماء الليل الأول للأميرة وهي في قصرها، رحل معها عندما غادرت مصر لبغداد تبعها حتي القصر الجديد في سامراء، كان ينظر ويقطر دمعًا وينوح كأنه روح هائمة في مجرات السماء يود أن يهوي إلي الأرض فيلثم موضعًا داسته الأميرة، تُغلق النوافذ ليلا وتُسدل ستائرُ من حرير، تُوقد الشموع وتنبعث رائحةُ العنبر من أعطاف الخليفة المتهيِّئ لارتشاف رضاب الأميرة وينوح النجم في السماء. جري الماء علي الجسد فكأنما مسكٌ واندلق، وراحت الجواري يتغامزن. - لم يُعرف في الكون مثل جمال فتيات مصر، جمال ممزوج بذكاء لا كجمال فتيات بلاد الرافدين والجزيرة اللاتي قتلتهن البداوة، نداوة قلوبهن جفتْ ويبستْ، أما فتيات بلاد ما وراء النهر فلهنَّ عيون تذهب بلب أكمل الرجال. وما أدراك بأنواع الجمال يا "عزيز"، تتحدث كأنك عليم بحال نساء العالم. قالها "نوح" وهو يغرس أصابعه في الرمال. قرأت كل ذلك في كتاب، وتخيلت كل شيء، أيضا التليفزيون لم يترك شيئا، يعرض النساء من كل أنحاء العالم، التليفزيون الذي تهجره ولا تشاهده يا "نوح"! ونقر هدوءَ الليل صياحُ ديكة الفجر، وتأوهتْ الأميرة ملتذة بالنوم في القصر الجديد، وفي ليلة طرق أذنها صوت قادم من مصر جاء الصوتُ بما أغمها... يبس "نوح" وتخشب جسده كأن اللحم يخاصم عظامه فلا يقربها، اقترب من المرآة، نظر إلي الشَّعر الذي انتشر في ذقنه، أطلت من الشعرات السود شعرة واحدة بيضاء، مرَّر أصابعه علي شعره فأحس بخفته ولمس جلد شعره، تجاوزت الثلاثين يا ابن حارس القرافة. وفي ذلك الأسبوع توافد علي القرافة عشرات النعوش، وكان يسجل في دفتره كل من يدخل باسمه ويذهب ليجلس بجوار أبيه والعم "مِصدَّق" ليعرفَ قصة الرجل. في يوم جاء لمجلس يضم الثلاثة؛ أباه و"مِصَّدق" و"عزيز"، صرخ فيهم وهو يبكي: - أسماء ماتت، قطر الندي، انتهت كأنها لم تكن، رحلتِ يا أسماء، وأنا سأرحل وراءك. والتقمه حضن "عزيز" الذي أخذه وسارا بعيدا يدوران حول سور المقابر، وهمس "مِصدَّق" في أذن "أبو نوح" - ابنك ماله؟ صمت أبوه وهو يمصمص شفتيه. قال "نوح" لـ "عزيز" إن النجم الذي كان يتبع قطر الندي هو الغلام الذي أعجبت به، وهذا الغلام نفسه هو "نوح"؛ هو أنا. - انس التاريخ، اقرأ وانس يا نوح. - سأذهب كما أخبرتك، وراء ريح تدلني علي "أسماء". فصل من الرواية تصدر عن دار إبداع
**انا مللت حكايات الموتى ياابى ..سأكون بينهم ولن يكفو عن الحكى..سيقضون وقتهم فى اجترار امانيهم واحلامهم المحبطة **
سحر بوابات السرد....
كل من عليها فان يانوح....أصبت القول عندما قلت أننا جميعا أموات ننتظر فقط قبرا يفتح كى نرمى فيه بذكرياتنا ومشاعرنا واسئلتنا ويهال علينا بالتراب فنصبح ضريحا للتاريخ وسيكتبون فوق قبرك (هنا يرقد عاشق التاريخ والموت ) ...
**الموت ياابى ماحق ..يمحو كل شيء حتى الحزن يتفتت تحت أقدامه **
إنها حقا رواية تستحق الفوز بجائزة المجلس الأعلى للثقافة....انى اشتم فيها رياح كتابات الأديب أشرف الخمايسى. ..نفس رحم المعاناة الإنسانية الباحثة عن الفلسفة والطريق ...المحبة لرائحة الموت والأساطير والتاريخ ولعذاب الحب ...الكاتب أخذ تيمة الحب كتيمة أساسية ثم انطلق منها بسرده السلس إلى الصحراء وسحرها وفلسفتها والموت والأساطير ثم يعود مرة أخرى إلى تيمته الأساسية ...الشخصيات الفرعية الذى تحدثت بلسان نوح كتبت بشكل جيد أيضا ...إنه حقا كاتب مميز ويستحق التشجيع والمتابعة فبرغم سنه الصغير ولكن موهبته وقلمه يجعلنى أفكر فيه كااشرف الخمايسى فى مستقبل قريب اذا استمر بنفس المستوى
**النار. .النار قدرك ...نار فى الفضاء ونار فى القلب ...الرحلة مكتوبة عليك ستتبعك أينما ذهبت نار...نار تحرسك أن غبت ...نار تاكلك أن غابت عنك وسترحل هاربا من ظلين ظل الحنين الذى لا يفارقك وظل الغربة المكتوبة عليك ***
**انا الشاهد المشبوح على صليب الحكايات الموجعة ...انا الراوى والرائى ..انا نوح ابن حارس المقابر **
يحصل البطل" نوح " على مخطوط قديم يستولي على روحه، ويدفعه للترحال بحثا عن النار/ المعرفة، في محاولة لاستعادة روحه التي لم يجدها في عالم الأحياء، فهو الطفل الذي نشأ في المقابر، بين الأموات وتشبع من حكاياتهم التي لم تنته بدخولهم إلى عالم الفناء أو الخلود، لا يعرف كيف يعثر على روحه، فلا هو نجح في علاقة عشقه لأسماء حبيبته التي لم يتحقق معها، ولا هو قادر أيضا على أن يعثر على راحة جسده، بل لا يحقق هذه الراحة إلا بالحلم، فهو لا يشبه عزيز صديق طفولته وشبابه الذي يمارس الحياة بكل تفجرها حتى لو دفعه ذلك إلى أن يستمتع بجسد غادة في المقابر. إن نوح ممتلئ حزنا، لذا خرج وحيدا بعد قراءة المخطوط الذي منحه له صبري موظف الآثار الذي ورث المخطوط عن والده الراحل. لم يستطع نوح أن يواصل الحياة إلا مرتحلا كما المتصوفة والنساك الذين يجوبون الوهاد والصحاري بحثا عن معرفة أخرى. فهل شقي نوح بمعرفته ما في المخطوط مثلما شقي برومثيوس بمعرفته التي سرقها من الآلهة؟ إن برومثيوس حكمت عليه الآلهة أن تأكل النسور من كبده وهو حي، ونوح حكمت عليه القوى التي سلبته روحه أن يذهب للصحراء يتماهى مع مخلوقاتها بحثا عن النار. لقد أوصاه المخطوط أن تظل نيرانه متقدة، فإن انطفأت، فسوف تنطفئ حياته، وفي الصحراء لا تصبح النار فقط رمزا للمعرفة، بل تصبح النيران حماية من ذئاب متربصة، ومن صقيع يأكل الجسد رغم اتقاد الروح بالشغف الإلهي.
**لماذا نتحدث عن الأحياء وهم بيننا يثرثرون؟؟؟؟..**
**وكانت نار نوح نار معرفة محرقة ونار عشق لم يكتمل **
التقييم النهائي 4 نجوم من 5 وريكومندد طبعا لدعم تلك الأقلام الشابة التى تستحق
"أنا مللت حكايات الموتى يا أبي، سأكون بينهم ولن يكفوا عن الحكي ، سيقضون وقتهم في اجترار أمانيهم وأحلامهم المحبطة التي لم يحققوها في دنياهم" هكذا كانت حياة نوح ابن حارس المقابر، نشأ على حكايات أبيه عن الموتى .. الموت حوله في كل مكان وحكايات الموتى في كتب التاريخ حيث دراسته في قسم التاريخ كلية اﻵداب وفي المعبد الجنائزي القائم بقريته الصغيرة الذي كان دائم التردد عليه .. دائرته الصغيرة هي المعبد، المقابر، كتب التاريخ "مخطوط أسطورة بروميثيوس ". نفس نوح محمله باﻷحزان ، بُعد أبيه عنهم وعيشه في حجرة في المقابر لحراسة الموتى "منذ متى والموتى يحتاجون للحراسة?!"، رحيل أصدقائه وضياع حبه، انجراف نوح في نصوص التاريخ .. كل ذلك جعل نوح يلبي النداء الذي بداخله "الرحيل إلي الصحراء" حيث الرجوع للإنسان اﻷول ، الانسلاخ من أحزانه وهمومه في الطبيعة القاسية "الصحراء" برمالها وشمسها نهارا و ذئابها ليلا .. ظل يشعل النار ليلا لإبعاد الذئاب وجمع الحطب نهارا لإشعالها ليلا، أخذ قبس من النار المقدسة فبالنار يعيش أو يهلك "لو غابت عنك النار ستهلك السر كله في النار" وأصبح يستأنس بعواء الذئاب وصحبة الثعابين .. كان نوح داخل الصحراء وكانت الصحراء بداخله "الصحراء عالم متسع، فسيح كالنفس البشرية تتعارك فيها أمواج الرمال الناعمة وتتضارب طامسة الأعين ومغبرة الثياب، هكذا كانت نفسي الظامئة، الجافة من العطش محشوة برمال كهذه الرمال التي لا عد لها ولا حصر" وفي نهاية الرحلة هل عاد نوح لحضن أبيه وأمه أم عاد لحضن اﻷرض ?! هكذا جعل الكاتب "أحمد جاد الكريم" النهاية مفتوحة للقارئ ليضع النهاية حسب رؤيته ... في الرواية خلفية تاريخية أعجبتني سواء أسطورة بروميثيوس الإله المحب للبشر الذي سرق قبسا من نار المعرفة ليهديها للبشر . وحكاية "قطر الندى" الأميرة المصرية التي تزوجت الخليفة العباسي "المعتضد بالله" اللغة سهلة وكأنها معزوفة موسيقية فتجد الحروف والكلمات لها أثرها في الوجدان كأثر الموسيقي، الحزن بها كثير ولكن متوافق مع أحداث واسم الرواية. *مقتبسات من #أحزان_نوح . الغربة والمرأة هما طريقا المعرفة الممزوجة بحرقة النار. الشتاء نغمة حزينة، وناي مجروح قلب نافخه يُقطر على القلب الشجي، لياليه طويلة بطول الحزن الناشب أوتاده في أروقة الروح. مفروشا بالورد، محاطا بالورد، جدران مكسوة بروائح الورد، وسماء بلون الربيع، تفح عطرا، وتدفع عبقها صوب اﻷنوف، هكذا طريقي إليك ...... من قال إن طرق العشاق وعرة من توهمها مرصوفة بالشوك?!
أسلوبه شيق وبسيط إلا أنني أحسست بملل في بدايتها لشعوري بتكرار وصفه لشئ واحد بعدة أساليب إلا أن الأحداث بدأت بعد ذلك في سريانها،، أكثر ما أسعدني في تلك الرواية أن اسم البطلة على اسمى (أسماء) وهي أول مرة يكن فيها اسم البطلة باسمي، وخاصة عندما ربطها بالملكة قطر الندى.. أما بالنسبة لصاحبه (عزيز) الجرئ الذي يقيم دائما علاقات محرمه ويرجع بعدها مباشرة لله ربما ليس تائبا إلا أنه يدخل المسجد ،، في نظرى انه ربط بين جزئين ان الانسان رغم ذنوبه ومهما وصلت درجة عظمها إلا أنه لابد أن يرجع لله بالإضافة ان الفشل لا بيستمر ولا يبقى مع انسان الا ان كان يريد ذلك كليا ولذا فإن عزيز طور من نفسه وتقدم بسرعه وسافر، وهناك نقطة هامى لابد من التنويه عنها وهي أن عزيز انتهازي بعض الشئ فلا يفوت فرصة إلا ويستغلها لصالحه.... اما بالنسبه لغادة واستسلامها لحالة الاغتصاب ومن بعدها استسلامها لعزيز هى في البداية استسلمت لقسوة الظروف الا انها اعتادت عليها ولم تحاول التغيير فألت بها للأسوأ وفي نهاية المطاف أصبحت أرملة بالية لا تستطيع اتخاذ قرار وربما تلجأ للطرق الأسهل فقط كي تحيا ليس لأن تصير أفضل حالا مما هي عليه حتى لو كان ذلك مخالفا للدين ومحققا لرغباتها... أما الرواية بشكل عام فالكاتب يوضح أن الانسان ان كان شغوفا او مولعا بشئ معين سواء حب إنسان أو مجال مهما كانت حال الانسان ابن أمير أو ابن غفير فالافراط فيه قد يقوده للهاويه ،، إلا أنه وحده هو من يسيتطيع السيطرة على نفسه والبقاء عليها حيه ومقاومة الصعوبات والظروف القاسية التى يتعرض لها ومن ثم التأقلم عليها وتفاديها فيما بعد وذلك بعد الوصول لحلول حتى لو كانت مؤقته،،، أعيب عليه في وصفه الجنسي في بعض المواضع التى لا أجدها مهمة والأفضل بالنسبة لي أن تمر تلك النقاط بشكل أخر لأن لغته وأسلوبه يساعدانه على ذلك...
أحزان نوح أحمد جاد الكريم تجربة ثانية مع الكاتب الشاب أحمد جاد الكريم تتجلى فيها ملامح كتابته التى تشربت بروح الاساطير بحكم النشأة في الريف المصري في روايته الاخرى ليالى السيد يحكي عن ليلة لولي من اولياء الله وما يعلقه الناس من امال عليها وحكاية محمد وحبه لصديقه سيد وحبه لاخت سيد نهى هنا يحكي عن نفس الثالوث البطل وحبه لصديقه عزيز وما حفر في نفسه بسبب عيشه مع ابيه وسط القبور من حزن وكآبه البطل والراوي هو نوح يعيش مع ابيه حارث المقابر وحيداً يزور ابيه صديق ابيه وابو صديقه نوح مصدق يزور المقابر ليلا شخص غريب الاطوار يقوم باضرام النار في قبر والده المتوفى حديثا يعود بعدها يعتذر ويقدم مخطوط وبعض الكتب لنوح يقرأ نوح المخطوط الذي يضفي جو سريالي على الرواية يحكي نوح عن حبه لأسماء الى فرق بينهم التنسيق فهي التحقت بكلية الصيدلة وهو بكلية الاداب قسم التاريخ حبيبته اسماء لا تعلم عنه شىء ولم يفكر حتى بمصارحتها بحبه فهو يكتفي بالمراقبة من بعيد مراقبة حياتها التى تمضي وتتوقف حياته هو . نفس نوح معذبة لم يفعل شىء وقف في مكانه وعاش حياة الكتب التي يقراها فقرأ قصة قطر الندى وزواجها من الخليفة العباسي واندمج في القصة وبنائاً عليها بنى حياة وهمية ووهم نفسه بان اسماء هي قطر الندى وهو قائد الجيوش الذي وقع في حبها وفرق بينهم القدر يرحل نوح للصحراء وهذا اجمل جزء في الرواية وصفه ما للصحراء من جمال وعمق وغرابة وعلاقته بالذئاب والثعبان الذي يزور خيمته حلمه بالموت في الصحراء وبناء واحه باسمه وقبر له وان يأتي والده ويكفنه ويدفنه بيديه في قبره الكاتب متأثر بالميثولوجيا اليونانية والميثولوجة الفرعونية ويتجلى هذا في كثير من ذكرة لاسطورة بروميثيوس وقصة ايزيس واوزوريس وست الرواية دي اجمل من رواية ليالي السيد لغة الكاتب عظيمة وممتعة وطريقة كتابته ووصفه للمشاعر والامكان محببة وجميلة 4/5
في روايته الثانية بعد ليالي السيد، يعمد أحمد جاد الكريم إلى مزج الحب بالأسطورة والحاضر بالتاريخ والحضور المفضي إلى غياب دائم، الحكاية تبدأ من مخطوط يهديه لنوح شخص ما فيقرر مدفوعا بذلك النداء المجهول للانسلاخ من عالمه والتوجه للصحراء، نوح كان يتبع ذلك النداء الصارم متخليا عن قواعده وراحته في سبيل عذابه المحتوم والمقدر عليه طبقا لامتلاكه ذلك المخطوط. هناك وفي عمق الصحراء يشتد الصراع بين الانسان والطبيعة البكر، الصحراء بمفرداتها القاسية والموغلة في النفس مثل شريان حياة قلق، ونوح الفطري المدفوع بألمه وعشقه وتضحياته من أجل المعرفة التي كتب عليه حملها. نوح هنا لا يملك عينا لكنه يملك حسا، نوح هنا هو السليل لبروميثيوس سارق المعرفة والذي عاقبه الإله "زيوس" بصلبه على الصخرة وتحمل الألم والنسر يأكل من كبده، وكلما فنى الكبد نبت له كبدا جديدا ليظل للعنتة ديمومتها، ونوح هو حامل اللعنة/المعرفة ونظرا لأن المعرفة هنا شمولية فاستمراريتها باقية بعذاب الإنسان عبر أنينه اليومي، وكبده هنا هو شقاؤه الذى يتجدد يوميا عبر صحراء شاسعة مترامية لا يهدأ فيها قلبه الملعون بالحب. عبر مفردات أجاد توظيفها ورؤية أجاد نحتها ولغة برع في تشكيلها يكمل الروائي سيرة نوح الشقي والذي يتمسك بالنار/الرمز كأنها المكمل لحالته، لا ينفك للراوي يعود إلى مفردات الصحراء ليصبح _نوح_ واحدا من تلك المفردات لينسجم ويتوافق ليصبح خيطا من ذلك النسيج الكبير.
روايه جميله بقلم مبدع ، تنساب الكلمات الجميله لتشعر بانك بالفعل امام كاتب كبير متمرس واثق من كلماته عجبتني الفاظه اكثر من اى شىء ، سرد يأخذك للماضى وللحاضر للنفس البشريه المتعبه
وانت تسير فى المقابر خفف الوطء ، امش على مهلك ففى كل ذره تراب كانت هناك حياه تنبض وقلب يدق ، كم من خد مورد بلون التفاح تحلل فصار دقاق غبار ، اجساد ناعمه ووجوه كالحه واخرى مشرقه كلها تتساوى بين طيات التراب
الحياه لا ترحم وحيدا أبدا
النور ينتقل من نفس لنفس
الموتى فى راحه أما نحن فى عذاب ، لم يوجعنا الا رحيلهم أما هم فسعداء بعيدا عنا .
وتلاقت المقلتان وضمتهما اهدابي فى حنو ونطق نور وجهها بابتسامه ارتمت على شفتي فحركتها
وشع النور من الوجنتين وتراءت كنجمه بازغه الضوء يحلق حولها أسراب النجوم.
بداية ، لغة الكاتب رائعة ، وأسلوبه في الوصف والتحليل شيق ، لكن الرواية نفسها ، مربكة ...
الحكاية عن نوح ، ابن حارس المقابر ، نشأ على حكايات الموتى وأسرارهم ، وحبه لأسماء ، حب صامت خجول من طرف واحد ، حتى يأتى يأتى صبري لينقل له المخطوط ، وبه تبدأ أحزانه ... شخصيات واحداث متشابكة ، وأسئلة معلقة ، ونهاية مفتوحة.... لكن برأيي أن الكاتب كان بامكانه توظيف لغته واسلوبه الرائقين للخروج بمنتج أكثر تأثيرا وامتاعا
ولم أر فى عيوب الناس عيباً * كنقص القادرين على التمام . . حضرني هذا البيت بقوة و أنا في الصفحات الأخيرة من الرواية . . فالرواية لا تنقصها اللغة القوية ورشاقة الوصف ولا عمق الفكرة . . ولكنها تنقصها الحكاية المتماسكة والشخصيات الواضحة المعالم . . ارى ان الكاتب كان بخيلاً في المعلومات عن شخوصه فلم نعرف على وجه التحديد من صبري ومن عزيز ومن غادة ومن أسماء . . بل لم نكد حتى نعرف من نوح حقاً وما هي ازمته على وجه التحديد وما سر المخطوط وماهي قصة النار . . كل هذه معلومات انتهت الرواية ولم نفهمها على وجه التحديد إلا بشكل ضبابي مشوش أو بالنسبة لى على الأقل . . بشكل شخصي دخلت هذه الرواية بطموح كبير وتوقعات عالية لمعرفتي بأحمد جاد الكريم وقلمه وعمقه وثقافته ورصانته ولكن الرواية لم تكن مكتملة في رأيي وشعرت أنه كان يحتاج لتركها فترة ثم العودة إليها ليكتشف بنفسه بعد أن يكون قد انفصل وجدانياً وانفعالياً عن أجواء الرواية . . ربما هذه التوقعات العالية هي ما جعلت تقييمي للرواية بهذا الشكل . . ولازلت اتطلع لقراءة تجارب أحمد الأخرى ليالى السيد وتغريبة بني همام والتي سمعت عنها الكثير
هي رواية حزينه، تحكي عن الموت والموتى، عن التاريخ الذي بدوره يحكي عن الموتى، يوجد تعدد للأصوات داخل الرواية بشكل ما رغم أن الراوي الرئيسي هو بطل الرواية حتى بعد موته. يعيبها من وجهة نظري عدم اكتمال بناء بعض الشخصيات المهمة في الرواية، أيضا بعض الإطالة المُلهية في بعض التفاصيل. لكنها في المجمل جيدة ومتماسكة.