لما كان العلماء ورثة الأنبياء، فقد أوجب الله عليهم بيان الحق للناس، وحرّم عليهم كتمانه، قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ)، وقال: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَىٰ مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ ۙ أُولَٰئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) والمعنى: كل من كتم علمًا من دين الله يعلمه، وكان الناس بحاجة إليه، يقول ﷺ: «من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار»... إن مسؤولية هؤلاء العلماء كبيرة وكبيرة جدًّا، والأمل فيهم بعد الله يتضاعف؛ لأن المطلوب منهم إصلاح الناس ومناصحة الأمراء، ومطلوب منهم عدم تأخير البيان عن وقت الحاجة… ومن أجل إبراز مهمة هؤلاء العلماء الدعاة، ودحض شبهات المتخاذلين قمت بتأليف هذا الكتاب وأسميته [العلماء وأمانة الكلمة] وهو عبارة عن حلقات اجتزأتها من سلسلة [الوحدة الإسلامية] التي بدأت بنشرها في العدد الأول من مجلة [السنة] الصادر في شهر جمادى الأولى ١٤١٠ هـ..
محمد سرور بن نايف زين العابدين رجل دين سوري ولد في حوران سنة 1938 يقيم حالياً في الأردن غادر من سوريا بعد نكبة الإخوان المسلمون في الستينات وذهب إلى السعودية وأصبح مدرساً في المعهد العلمي في بريدة في منطقة القصيم ومن أبرز من تتلمذ علي يديه في تلك الفترة الشيخ سلمان العودة، انتقل بعدها إلى الكويت ثم إلى بريطانيا وهناك أسس مركز دراسات السنة النبوية وأطلق مجلة السنة التي كانت ممنوعة في معظم الدول العربية، يعتبر منهجه وآراءه مثيره للجدل خصوصاً مع بقاء الغموض حول انتساب تيار منهجي كامل داخل البحر الإسلامي الحركي اليه.
يتحدث الكتاب عن علماء السلطان أو [حزب الولاة] كما يلقبهم المؤلف، وهم الذين يسارعون في هوى الحكام الظلمة، يبررون أخطاءهم، ويلوون أعناق النصوص لكسب رضاهم، ويجتهدون في تجنب ما لا يروق لهم من مسائل الدين.
ابتدأ المؤلف كتابه ببيان حدود طاعة ولاة الأمر، والموقف من الحاكم الكافر، وموقف عدد من العلماء مع الحكام، وحرصهم على بيان الحق، والإنكار عليهم، من هؤلاء: العز بن عبدالسلام، والنووي، وشيخ الإسلام ابن تيمية، مستطردًا في ذكر مواقف الأخير.
ثم انتقل إلى مناقشة بعض شبهات [حزب الولاة] التي يبررون بها سكوتهم عن بيان الحق، كقولهم أن بلادنا خير من البلاد الأخرى، أو أن الإنكار قد يتسبب في فتنة. كما تعرض لشروط المفتي التي ذكرها ابن القيم، والتي من أهمها: العلم الراسخ، والحلم، والاستقلالية، وفقه الواقع.. والتي -كما يرى المؤلف- يفتقدها علماء حزب الولاة.
عقد الؤلف بعد ذلك فصلا في ذكر نماذج من علماء السلطان الذين ذاقوا الأمرين في سبيل خدمة أسيادهم، ثم استغناء الأسياد عنهم وركلهم، وتسليط أجهزة الإعلام عليهم، ذكر منهم الباقوري وكان تحت عبدالناصر، وعبدالستار السيد وكان تحت حافظ الأسد، وغيرهما.. مشيرًا إلى أن هؤلاء العلماء بوقوفهم مع هؤلاء الطغاة ساهموا في زرع نابتة الغلو في نفوس بعض الشباب، والتي بسببها أريقت دماء معصومة.
ختم المصنف كتابه بفصل تحدث فيه عن تحكيم القوانين الوضعية، وأنه كفر أكبر، مستشهدًا بكلام جملة من علماء العصر، أذكر منهم: جمال الدين القاسمي، محمد رشيد رضا، أحمد شاكر، محمد الأمين الشنقيطي، محمد بن إبراهيم، محمد حامد الفقي، ابن باز، وغيرهم. ثم نبه على زلة وقع فيها بعض الناس -ولقبهم بالغلاة- عندما فهموا من كلام أولئك العلماء تكفير المعينين، موضحًا مخالفة ذلك لأصل من أصول أهل السنة في باب التكفير وهو التفريق بين المطلق والمعين.. فتجاسروا على تكفير جميع الحكام، ثم تكفير من انتظم في سلكهم، وقادهم ذلك بعدُ إلى المواجهة المسلحة.
أعجبني كثيرًا توازن المؤلف في الطرح، فقد نبه في أكثر من موطن أنه لا يطالب العلماء بالثورة على الحكام وجرِّ المسلمين إلى اقتتال داخلي، وإنما مراده وجوب بيان الحق، وعدم مجاراة الحكام في ما يخالف دين الله، ولا تلازم بين الأمرين.