قد تم جمع المقالات والمحاضرات التي ميزت أربعين عاماً من رحلة عمر فرانسواز دولتو، والتي تدور حول مسائل التربية، ويبدو فيها واضحاً الترابط المنطقي والتماسك في مسيرتها وهمها الدؤوب في مسائل الوقاية. كانت فرانسواز دولتو ترغب في تفعيل التحليل النفسي إذ لم يتصل بها أحد من عمال أو أطباء أو محللين نفسيين من دون هدف واضح. وقد كرست نهاية حياتها لعدة نشاطات تتعلق بالوقاية وتوجتها بإنشاء البيت الأخضر، وهو مكان مجمع للأطفال كانوا ينعمون فيه بالترحيب والاستماع إليهم. مهمة هذا البيت تكييف الولد مع حياة الجماعة. تفتح لنا فرانسواز دولتو سبل الاستقلالية وسن الرشد وتذكرنا أن التربية تعني إيقاظ الذكاء والقوى الإبداعية عند الطفل متزامنة مع إعطائه حدوده الخاصة به كي يشعر بأنه حر في التفكير والشعور والمحاكمة بطريقة تختلف عنا نحن الكبار ومع ذلك مستمر في حبنا. وقد نجحت هذه النصوص في أن تكون دليلاً للأهل الذين يصادفون صعوبات في تربية أطفالهم وفي الوقت نفسه أعطت فكرة رائعة عن وضع الطفل في مجتمعنا. ويمكن تصنيفها في الجزء المسمى "شفهي" من أعمال فرانسواز دولتو التي كان لها أثر حاسم على المجتمع لأنها لامست جمهوراً لم تصله كتبها.
هذا الكتاب من أعظم ما قرأته في التربية حتى الآن، وعلى الدوام. تمكنت الباحثة من فهم الإنسان على نحو لم أجِده في الآخرين من قبل. فقد تمكنت من الاقتراب من فهم الإنسان وكيف يفكر. كما وقد تمكنت من معرفة طريقة تفكير الأطفال خاصة، وكيف ينظرون إلى الأشياء من حولهم. حتى توصلت للأسلوب الأمثل في التعامل معهم وتربيتهم باستقامة ومن دون التوتر من الوقوع في خطأ معهم.
ماذا عساي أن أقول؟ إن من المهم أن يفهم المربّي كيف يربي. وأن يفهم قبل كل شيء، أنه ليس ثمة طريقة صحيحة للتربية، إنما هنالك وفقط، الطريقة الصحيحة المناسبة لكل فردٍ وطفلٍ على حدة. فالأطفال كما البالغين، يختلفون فيما بينهم منذ أو اللحظة التي يلِجون فيها إلى هذا العالم، وليس من الجيد تربيتهم على طريقة واحدة، إنما هذا جرم عظيم.
في حقيقة الأمر لا أدري ماذا أقول، وأخشى أن العالم لم ينتبه لهذه الباحثة العظيمة "فرانسواز دولتو" التي قدمت للعالم ثقباً جديداً لرؤية الأطفال منها ومن وجهة نظرة مغايرةٍ تماماً عما كان العالم عليه. إنيّ أنادي بصوتٍ عالي على كل مربّي، أن يقرأ هذا الكتاب، ويقرأ لهذه الباحثة والمحللة النفسية، ويستمع إليها حتى يتمكن من فهم حقيقة ما هي التربية؟