يوسف الصديق (ولد في 1943 في توزر) هو فيلسوف وعالم انثروبولوجي تونسي متخصص في اليونان القديمة وفي انثروبولوجيا القرآن. له عدّة أبحاث و دراسات منشورة باللغة الفرنسيّة متعلّقة بالحقل القرآني وتوابعه الثقافية، محاولاً التعريف بالمكتسبات الحضارية الخاصة بالعرب و المسلمين
الآخر غربة مطلقة وغيبة لا حضور عندها. فكيف إذا كان الآخر آخراً محضاً كالله أو كنقيضه الصّرف إبليس الشيطان؟ ثم كيف إذا كان الآخر فرداً إنساناً مثلي، لكنه مدمن على غيريّته مفرط فيها بأن أقام نفسه عدوّاً أو نقيضاً أو منافساً أو محقّاً في ظنّه على حسابي... وأخيراً كيف إذا كان هذا الآخر يؤلب عليّ مجموعته وقطعانه، فيكون على الآخرين محاربتي ومحاربة من أنتمي إليه، وطناً أو عقيدة، لباساً أو طعاماً، سلوكاً أو تفكّراً؟ إننا فقراء في معرفة الآخر يُضيف الفيلسوف والمفكر التونسي يوسف الصديق في كتابه الآخر والآخرون في القرآن. قاصرون عن معرفته من خلال القرآن لأننا لم نتوصّل بعدُ إلى قراءته قراءة ناجزة ناجعة، قراءة تؤدي إلى المعنى لأن كل قراءة تؤدّي إلى معنى. أما القراءة بمعنى التّلاوة فهي لا تؤدّي إلى المعنى، بل تكتفي ببيان المناسك والواجب والفريضة...والمنسك هو حاجة أوتوماتيكية آلية لا بدّ أن تؤدّيها بحذافيرها وبطريقتها الجماعية التي قُرّرت من أصحاب العبادات والفقهاء وترسّخت عبر السّنوات. باختصار فمعرفة الآخر في القرآن تأتي عبر القراءة لا بالتلاوة. علينا إذن أن نقرأ القرآن في ظرفه التاريخي، وعلينا أن نؤرِّخ لنزوله. هذه مهمة القارئ، وليست مهمة القرآن. مع مراعاة أن القول أو الخطاب إلهي، أما الأذن فإنسانية. إذن بين المتعالي الإلهي في مصدره ونبعه، والناسوتي البشري في تقبّله وتلقّيه، يكمن المشكل الذي وجب الوقوف عنده. في كتابه الآخر والآخرون في القرآن، حمل المفكر والفيلسوف التونسي يوسف الصديق معول الفيلسوف، ليشقّ نصوصا شاء البعض أن يتركها جامدة في درجة الصّفر، ثم ومن بعد استعمل غربالا لتمييز البُرّ من الزّؤان، ولتنقية قرآن يتجاوز النصّ الورقي المتداول إلى الكون، بل إلى الله نفسه ميتافيزيائياً، كون القرآن وحسب المفكر يوسف الصديق هو الله في تجلّيه. وبحكم أن النبيّ قد توفي وانقطع الوحي، ولم يعد يوجد نبي أو رسول نقتدي به، فإن القراءة الوحيدة المتبقيّة هي القراءة العقلانية. العقل إذن نبي هذا ما أراد أن يخبرنا إياه يوسف الصديق كما أخبرنا من قبلُ المغضوب عليه ابن رشد.