هل تعرف تلك الليالي المميزة، التي يرافقك فيها صوت المطر ووقعه الشجي على الأرض والألواح المعدنية، وما يحمله من رائحة الطين الأخاذة، تلك الرائحة المميزة التي لا تجدها إلا في نجد.. نعم أنا هنا لا أتحدث عن ليلة ماطرة تتصورها في غابة ألمانية، أو ريف إيطالي، بل ليالي نجد الشاعرية التي لا يمكن أن توجد في مكان آخر سوى نجد، ومهما كان للمطر عبقه، وما يحمله من شاعرية تصاحبه أينما سقط على أي أرض، إلا أنه لا يماثل مطر نجد.. بصحرائها التي استقبلته مشرئبة بعنقها، شبقة إلى وقعه، متراقصة على وتره، لا ليالي تضاهي تلك الليالي الماطرة المشربة برائحة الطين ❤️
أعتذر .. يبدو بأن المطر أحيا فيَّ اللغة، وأثار في نفسي الأدب، فنسيت الحديث عما أثار الحديث، نعم .. أقول لك الآن هل عرفتها؟
هذه هي ليلتي مع كيليطو، إنها ليلة شاعرية يحسدني عليها القراء، لأنهم يعرفونها جيدا، يعرفون ما لها من خصوصية، وما لكتبها من أثر شاعري خاص، لا سيما وأن رفيق ذلك السمر كان رائحة الحطب، التي زادت من دفء حديث كيليطو وحميمية حكاياته.
كيليطو من الكتّاب الذين أعددت لهم العدة، وانتظرت القراءة لهم بفارغ الصبر، فقد كنت ألقي نظرة المشتاق على مؤلفاته في كل مرة تقع فيها عيناي عليها وأنا أمررهما على مكتبتي، فكنت كمن يصوم ليتلذذ أكثر، ويؤجل ليمني النفس بحلاوة اللقاء، ويذكرها بأن هنالك ما لم نقرؤه بعد، ولم نعانق صفحاته، ثم لما كان اللقاء، كان كلقاء الصائم الذي لم يبق ولم يذر، فكان اللقاء الأول والأخير، لأنني قررت قراءة أعماله الكاملة :)
هذا الكتاب كان لقاءنا الأول، ولكنه كان كفيلا بإثبات مدى أنس الرجل، موسوعيته، ذكائه الذي يجذب القارئ ويدعوه بأن يتحلق حوله، ويفعل معه كما تفعل شهرزاد، يبطئ من القراءة، ففي كل يوم فصل، ليستمتع بأطول وقت ممكن مع حكاياته..
القدرة على استنطاق الكتب والأحداث، خلق جو من التساؤلات والتأملات، التحقيق بشأنها كحادثة جريمة، خلق أركان لها، إحيائها من جديد، كل هذه من سماته.
كيليطو لماح، يمتاز بالخفة، مجيد للربط بين الداخل والخارج، الغلاف والمضمون، ولم أجد هذا فيه فقط بل بعدة مؤلفين مغاربيين غيره، هل هي سمة أهل المغرب يا ترى؟
أحب هذا النوع من الكتّاب الذين لا يدعون لك مجالا لتفويت المقدمة والخاتمة، لأنني أعي جيدا صعوبة أن تكتب مقدمة، والكاتب الذي لا يدع للقارئ فرصة السهو بعيدا عن نص المقدمة -والذي ما هو إلا نص يعرفه القارئ مسبقا فمن أجله اقتنى الكتاب- ما هو إلا فذ، وكيليطو هنا كان ذكيا بإشغال ذهن القارئ في مقدمته بقصة تلفت نظره، اقتباس يحرك ذهنه، مثل يدعوه للبحث عن معناه، ناهيك عن تداخل المقدمة بالمضمون بطريقة ساحرة تجعلك تنتصف في القراءة دون وعي.
لعبدالفتاح كيليطو نغمة لا يخطئها قارئه، مواضيع يحوم حولها ويدندن، وهذه السمة بغض النظر عما إذا كانت جيدة أم سيئة، وجدتها تجمع الكبار في مجالهم، الحوم حول قضية، وإثارة أفكارها، وقتلها بحثا، وبعث أسئلتها، هو ما يجعل من المؤلف عبقريا في مجاله.. لا الانشغال بكل قضية وإبداء الرأي في كل مجال.
بل إن كيليطو بنفسه قال:"إلا أنني منذ عهد طويل أحس أن من واجبي أن أقوم بشيء من "التبشير" الأدبي، وإن كنت لا أدري لماذا" شعور المسؤولية الذي يحمله، هو ما يثير في عقله تلك التساؤلات الأدبية، لتتولد لنا بعد ذلك على شكل أعمال عظيمة.
في أحد الفصول ذكر كيليطو وصفا للألمان على لسان يابانية: بأنهم حينما يتحدثون بالإنجليزية، فكأن هذا يسمح لهم بأن يتحرروا من ضرورة تحسين أدائهم، ومن وسواس السيطرة على النفس، وهما أمران أصبحا مرتبطين باللغة الألمانية.
عجيب! هذا ما قلته.. فقد كنت قبل قراءة هذا أجد ظاهرة في المجتمع وفي نفسي قريبة من هذا المعنى، فقد كنت مثلا حينما أحاول وصف الشاب الغير مهتم والطائش بكلمة، أجد أن التعبير عنه بكلمة "cool” الإنجليزية أقرب في ذهني من أي مفردة عربية أخرى، وحينما أسر وأفرح أحب كتابة القصائدة باللهجة العامية الدارجة، أما في الحزن فأحب كتابتها بالفصحى، ولست أفسر هذا الأمر إلا بأن للغات أرواحا، وأن اللغة انعكاس لثقافة ما، لذا تجد بعض التعابير والمصطلحات الدقيقة في ثقافة ما يصعب ترجمتها للعربية، أو إذا ترجمت أصبحت ضعيفة وفقدت وهجها، لذا نعم اللغة دين وثقافة تعتنقها، ومن هنا أتى تحذيرنا الدائم من تنشئة الأطفال على لغة غير العربية، لسنا نخشى عدم استطاعته في المستقبل التحدث بالعربية، لكننا نخشى عدم استطاعته التفكير بها!
“اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (1) خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5)”
تبدو نشأة الفرد في ترابط لا ينقطع مع نشأة النص وتكوينه.
للغة سطوتها.. وللنص جبروته.. من منا يستطيع تجاوز نص كتب على أحد تلك الجدران دون قراءته، إنك وإن كنت تسير في سيارتك مسرعا فإن عيناك لن تتجاوزا نصا دون قراءته، تشعر بأنك أسير اللغة، مسحور النصوص.
اللغة حية، تعتنق الأديان، وتتلبس الثقافات.. وإلا فما تفسيرك لأجنبي حاول تعلم العربية ليكون من أول ما نطق عبارة (إن شاء الله)، لقد وطئ دون أن يعلم أرضا لا ينتمي إليها، هو يظن أنه الآن يتحدث العربية فحسب، لكن هيهات فإنه هنا نطق بعبارة عقدية، أوقعه فيها فخ اللغة.. اللغة تتلون وتتلبس بلباس قومها، لا مجال لتجميدها، قد تكون امرأة متمنعة، أو طائرا يحاول الإفلات من فمك، أو زاهدا يشيح بنظره عنك، قد تتلبسك على هيئة شيطان لتنجب منها قصيدة، وقد تقتلك، نعم.. فاللغة حية!
اللغة إقرار للوجود، وهل تسمية الأشياء إلا إقرار بوجودها؟
اللغة غير قابلة للإمساك، تنفلت من فم ناطقها لتملكه بعد أن ملكها، ليست المشكلة هنا فحسب، بل إن مدار معناها ينقسم بمجرد إطلاق سراحها بين المتكلم والسامع، الكاتب والقارئ، فلا يعود حق تفسير المعنى عائدا فقط لقائله، بل يملك نصف هذا الحق مستمعه.
ابحث عن سر الأشخاص، ستجده اللغة.. شخصان اثنان، كلاهما يحمل ذات الروح والفكر، لكن الأول محبوب معروف مشهور، والآخر ليس كذلك.. ما السر؟ إنها القدرة على التعبير، ابتداء بصياغة الفكرة على شكل أحرف، مرورا بحسن اختيار الألفاظ المناسبة والذي يسبقه امتلاك هذه الألفاظ لحظتها، انتهاء بالقدرة على إخراجها أو ما نسميه بالقدرة على التعبير..
أوليس الفرق بين القارئ والمؤلف هو أن المؤلف استطاع حياكة ما في نفسه؟
ليس السبب الحقيقي خلف إعجاب القارئ بنص هو أن النص أتى بجديد، بل لأنه استطاع التعبير عما في نفسه.
تخيل! هو والمؤلف سواء في الداخل، في تشابه الأفكار والآراء، لكن المؤلف وهب نعمة البيان، فأصبح له مكانة في مجتمعه، وزينت الساحات بصوره، لا لشيء سوى أنه استطاع التعبير عما في نفسه .. إنها اللغة سر الأدب!
(لسان آدم، ترحيل ابن رشد، لن تتكلم لغتي، أتكلم جميع اللغات لكن بالعربية، لن تترجمني، بحبر خفي)
هذه هي الأعمال التي احتواها الجزء الأول، أميزها -وكلها مميز-: لسان آدم، ترحيل ابن رشد، لن تتكلم لغتي، بحبر خفي.
-في “لسان آدم” حاول كيليطو البحث بخفة عن اللغة الأولى، اللغة التي كان يتحدثها أبونا آدم، وإن لم نصل معه إلى نتيجة مؤكدة، فإن استثارة الأسئلة هنا كانت مربط الفرس، والمحرك الجميل للبحث، والذي أظهر ميل كل متحدث بلغة ترجيح كفة لغته، وأظهر ثقافة كل قوم في تعاملهم مع الأمور من حولهم، كيف يرى البعض اللغة كعقاب وثواب، وكيف يقول البعض بأحادية لغة آدم أو تعدديتها، ليفتح بابا آخر للتساؤل: ما هي اللغة الأفضل؟ ولكي لا أدخلك في صراعات لا طائل منها سأدعوك للرأي الذي ارتحت إليه، ووجدت فيه الإنصاف وحسن الاستدلال، وهو أن التمايز بين هذه الألسن هو بحد ذاته علامة على عظم خالقها “ومن ءاياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم”، هذه هي الفلسفة الإسلامية التي يجب أن ترى بها الاختلاف، اصرف نظرك عما لا يعنيك إلى ما يعنيك، قياسا على تعامل رسولنا مع الأعرابي الذي سأله عن قيام الساعة، بصرفه عنه لسؤال: ماذا أعددت لها؟
-في “ترحيل ابن رشد” يصف كيليطو جثته بعبقرية، فيقول:”هذه الجثة المتنقلة التي تحفظها من السقوط كتب” هل وعيت ما يحاول كيليطو قوله؟
إنه هنا يعطي القيمة للكتاب على مؤلفه، للغة على متحدثها! كيليطو هنا يقول: وهل خلود هذا الرجل إلا بالأحرف التي نطقها.. لا قيمة للجسد.. للغة وحدها حق الخلود.
يصف كيليطو في هذا العمل الكاتب بالمسافر، إنه دوما ما يشد رحله، إلى أمير أو بلد أو امرأة، بل تضمنت كثير من الأشعار أوصاف الدابة والطريق والبلدان للشبه الكبير بين المسافر والكاتب، فكلاهما مهاجر إما لله ورسوله، أو دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، بل وارتبط السفر الحقيقي بالكتابة، وذلك عبر ما يسمى بالمذكرات، كما فعل ابن بطوطة، فالكتابة ترحال إما لحقيقة يحاول الكاتب لمسها وقد يجدها سرابا، أو لحلم يبحث الكاتب عنه عبر سطوره، يحاول بث الروح فيه عبر رواية أو أقصوصة، إنه هنا مسافر يناله ما ينال المسافر من وعثاء السفر، إلا أن المسافر قد يصل لوجهته، على عكس الأديب إنه مسافر أبدا ما بقي القلم.
-في “لن تتكلم لغتي” يدلف كيليطو إلى الحديث عن طريق ذكر مقامات الحريري، تلك المقامات الفريدة التي وصفها بوصف ذكي، قائلا أن السمة الألحظ فيها هي أنها غير قابلة للترجمة، وكيف يترجم عمل أدبي قائم على المحسنات البديعية العربية، السجع، التلاعب بالكلمات، بل وحتى الحركات والسكنات.. يستحيل ذلك! ومن هنا انطلق ليوضح ثغرات الترجمة، وأظن أن هذا العمل، والفكرة التي تدور حوله، هي الفكرة التي تنال من عقل كيليطو بشكل أكبر في كتاباته، وقد أكد فيها على استحالة ترجمة عمل خرج من فم صاحبه بلغة، إلى لغة أخرى كما خرج، خصوصا الشعر، وهو هنا أكد ما أؤمن به وأكرر دوما استغرابي من أصحابه، وهو قراءة الأشعار المترجمة، فهي كما يقول، بمجرد ترجمتها تصير نسجا من التفاهات والترهات حين تنقل إلى لسان آخر.
خلاصة هذا العمل وعمل “أتكلم جميع اللغات، لكن بالعربية” وعمل “لن تترجمني” واللذان كانا قريبين من سابقيهما:
لن تتكلم لغتي ما لم تكن أنا!
لن تفهم كلماتي ما لم تحمل الموروث الذي حملته، وتكون وليد البيئة التي نشأت فيها، والثقافة التي شربت منها.
لا مجال للترجمة، فالترجمة نص جديد.
-“بحبر خفي” كان خفيفا منوعا لذيذا، تناول فيه عدة أفكار، ولم يكتف بفكرة واحدة، تحدث عن ذلك النوع المقيت من الكتاب الذين يكتبون لأجل الكتابة، الذين يعاملون الكتابة كمنصب يحاولون السعي إليه، يسيرون إليه بخطى محسوبة، وقواعد مرسومة، ولم يعوا أن الكتابة وليدة اللحظة، فالكتابة التي لا تخرج من رحم فكرة ألحت على الكاتب، أو ألم أوجعه، أو شعور استثاره، ليست عملا أدبيا.
ويستفتح حديثه بنقل عن أبي حيان التوحيدي يصف فيه كاتبا بأنه توجه نحو بلدة تدعى “النوبهار” لا لشيء، وإنما ليكتب: كتابي هذا من النوبهار، يوم السبت نصف النهار :)
وهذا النوع من الأمراض ليس في الكتابة فقط، يمكنك قياسه على كل من ابتلي بملاحقة الزخارف عوضا عن المعاني، كل من يحاول لفت النظر إليه بمحسنات دون مضمون، ستجد هؤلاء متواجدين بكثرة في واقعنا لا سيما برامج التواصل الاجتماعي.
تناول كذلك مسألة: هل من مسؤولية الأديب وصف الحقيقة؟ وهل من حق أحد فرض فهم واحد لبيت قصيدة؟ ليصل إلى أن الأديب لو اكتفى بنقل الواقع لما أصبح أديبا، وأن في تفاوت تفسير الأبيات الشعرية واستنطاقها مدخل للإبداع والتحليق، فعدم اليقين هو ما يضفي للكلمات الأدبية رونقها، فلا أسلوب مع غياب الشك وسيادة اليقين، كما كان يقول شيوران، والأديب ليس كالآخرين الذين يستخفون بمظهر الكلمات، وينعمون براحة الارتجال، فهو يرسم الواقع كما يراه، أو يخشى أن يراه، أو يريد أن يراه، أو من دون رؤيته، هو ليس شاهدا في محكمة ليضطر لوصف الحقائق كما هي، إنه فنان، أليس الفن إدخال الغربة على الألفة، والإبهام على الوضوح؟
تناول كذلك العلاقة بين العقل والأدب، فتعليم فن الكتابة تابع حتما لتعليم فن التفكير، لا مجال لفصلهما عن بعض.
تحدث كذلك عن موضوع غريب، موضوع جديد علي، لم يسبق أن تأملته، وكأنه فتح عليه الضوء، فأراني إياه، ذكر قصة لرولان بارط مختصرها: أن مومسا وعدت موظفا أن تمكنه من نفسها إن انتظرها مئة يوم على كرسي الحديقة تحت نافذتها، ففعل ذلك في التسعة والتسعين يوما، ليحمل بعدها الكرسي في اليوم الأخير ويغادر.
غريب! أليس كذلك؟
إنه هنا ينطلق من تلك القصة ليبين علاقة الأديب بعمله، تحول الافتتان من المومس إلى غيرها، أفضلية الكرسي عليها وسرقته لمشهد البطولة منها، هذه هي علاقة الأديب بعمله، ألم نذكر أنه مسافر دون وصول، فالأديب حينما تتراءى له وجهته، يفر هاربا منها إلى غيرها، فسره الترحال بين الأوصاف والمعاني، سر مفعول وصف الواقع، وتحول الأديب من الكتابة بغرض هدف ما، إلى الكتابة بغرض الوصف.. الوصف ولا لذة تعادلها لدى الكاتب، لا تذهب بعيدا، عد لمقدمة مراجعتي، ستجد وصفا مسهبا لليلة الدافئة، والمطر المصاحب لها، في حين أن هذه مراجعة في وصف كتاب، لكن الكتابة تحث على الإدمان، تجرك للوقوع في حبائلها، فتجد نفسك أسيرا لها، فتصبح التفاصيل الصغيرة بطلة القصة (كرسي، حديقة، مطر، ليل...إلخ)، ومن منا يدعي نسيان كثير من الأوصاف التي قرأها في روايات لم تكن تلك الأوصاف غرضها؟
وأظن -وأنا هنا أرتجل ولا أحيل إلى مصدر علمي- أن الكتابة استشفاء من حيث أنها تشغلك عما كان يهمك إلى الكتابة عنه، يكتب شاعر قصيدة في حبيبته ويتغنى بها، ليكتشف أنه أصبح أسير قصيدته لا حبيبته، يرسم الرسام لوحة لحديقته، ليكتشف أنه كان حينها أسير الألوان والفرشاة لا الحديقة، إنه نوع من تحويل الشغف بما يستهوينا ولا نستطيع الوصول إليه، أو وصفه كما يجب، إلى قدراتنا وما نملكه بأيدينا.
يتحدث عن اللغة كمنقذ، كوسيلة للنجاة، للحب، للبقاء على قيد الاتصال.. أوليست أقوى دلائل استمرارا العشق بين العاشقين هو السيل السردي من الحديث الذي لا يتوقف بينهما؟
وحينما تحين لحظة الصمت، حينها تبدأ العلاقة بالتصدع.. سل أي مستشار زوجي عن عدد العلاقات التي انتهت لأن أحد الزوجين لم يعد يتحدث، والحوارات لم تعد قائمة، لقد ماتت العلاقة.. هذا ما لم يستوعباه.
أخيرا: أشعر بأنني جبت الأرض والتاريخ، طولا وعرضا، شققت عباب الكتب بصحبة كيليطو، وتنزهت في عقول أصحابها برفقته، فكيليطو يشق التاريخ الأدبي ليثير الأسئلة، ويستنطق الكتب لتعترف.
حالما انتهيت من القراءة قلت: كيليطو من الأشخاص الذين تتمنى لو كنت جليسهم، فروحه الجميلة ظاهرة بين السطور.
إلى اللقاء في المجلد التالي بإذن الله..💙