إلى أي مكان أذهب.. شرقا أم غربا، شمالا أم جنوبا، أحمل بلادي معي. أحملها بكل ما فيها من جميل وقبيح، من قديم ومن حديث، من أصيل ومن زائف، من سحريّ ومن منفر، من عجائبيّ ومن عاديّ وسطحيّ ومبتذل ورخيص..
حسونة المصباحي مثقف تونسي مارس الصعلكة في الأدب ومن خلالها صافح العالمية. انتصر لبداوته وسجل تاريخها وحفظها من الانقراض كما يقول. يرى في المدينة أملاً وبوابة إلى العالم الآخر، ويخاف عليها من تدخلات أطراف خارجية تفسد مسيرتها الحضارية. طلّق السياسة والتحق بالأدب ليمارس مشروعه الفكري من خلال مفرداته. بعد دخوله السجن اكتشف زيف الشعارات ومنحته جدرانه نوافذ مشرعة إلى عالم الحرية. خرج من السجن ورحل إلى أوروبا حيث اكتشف نفسه من جديد زاول تعليمه الابتدائي بمسقط رأسه والثانوي بتونس ـ أحرز على شهادة ختم الدروس الترشيحية بالعاصمة ـ تابع تعليمه العالي في مدرسة ترشيح الأساتذة المساعدين ـ عمل بعد التخرج أستاذا بالمعاهد الثانوية ـ اهتم بالصحافة ونظم الشعر، وكتب المقالة والقصة القصيرة وأدب الرحلات والرواية، وله دراسات وأبحاث متنوعة ومترجمات. ـ عضو اتحاد الكتاب التونسيين ـ تحصلت أعماله على عدة جوائز أدبية
الحقيقة أنّ على الكاتب أن يمنحني أربعة نجوم لإتمامي قراءة الكتاب، الذي يدّعي أنه رواية. لا أعرف أين الرواية تحديدا، فقد بدأ الكتاب والراوي مثقف فهيم عليم حكيم، ينهشه الحزن على البلاد ولا يفعل شيئا لأن الفعل من شيم الأغبياء، وانتهى الكتاب والراوي لا يزال مثقفا فهيما عليما حكيما ينهشه الحزن على البلاد ولا يفعل شيئا لأنّ الفعل من شيم الاغبياء. ولعلّ الرواية في كل هذا، ليست تلك الصفحات القليلة التي خصّ بها الراوي نفسه، ومعارفه الذين من حوله، وإنما هي مئات الصفحات الأخرى التي مرّ فيها بالكثير من القصص والأحداث العالقة بتاريخ البلاد. لا يتعلّق الأمر طبعا بعمل تأريخيّ، وإنما بشذرات تاريخية تحمل طابعا قصصيا بل تقريريّا (بالنظر إلى اللغة الفقيرة والأسلوب الساذج) لا يمكن أن يٌعتدّ بدقّتها. ولا يكتفي حسونة المصباحي بتذكيرنا بتاريخ البلاد ـ كما يراه هو ـ وإنما مارس بعض التوثيق لبعض أحداث الثورة دون أن يغفل دوره في الإضافة والتزوير، كأن يحدّثنا عن حادثة إنزال العلم في جامعة منوبة فيؤكد أنه ـ عبر الفيديو الذي انتشر على الانترنت ـ رأى السلفي يركل خولة فسقطت وقد تضرج وجهها بالدم، بينما لا نرى في الفيديو سوى أنه جذبها بقوة طرحتها أرضا. وبمثل هذه الذاتية واصل بقيّة استطراداته التي لا تنتهي. فصار الكتاب عبارة عن سرديات تاريخية متفرقة، وبعض الفانتازيا والخرافات الشعبية، وملخّصات قصص ـ قد تكون في قائمة قراءاتك قبل أن يحرق أحداثها هذا الكتاب ـ من الادب العالمي، وبعض تراجم الأدباء والشعراء، إضافة طبعا إلى ما هو واضح أنه جزء من سيرة ذاتية. لم يرهق الكاتب نفسه في اختلاق قصة أو دراما أو أحداث، ولم يرهق نفسه في سرد أحداث تاريخية بتفاصيلها التي يعرفها معظم من قرأ الكتب المدرسية في تونس، أو من يجيد تصفّح ويكيبيديا. بل إنه لم يرهق نفسه كثيرا في اختيار هذه الاحداث. صاحب الحمار، حرب يوغرطة، زحف الهلاليين، نهاية زيادة الله الأغلبي، تأسيس الدولة الفاطمية، زيارة أحمد باي لفرنسا، ثورة باي العربان، حكاية مصطفى بن إسماعيل (كما تتناقلها الألسن التي تصرّ على كونه لقيطا من يهوديّة لسبب لا يخفى على أحد) الخ. أحداث لا يجمع بينها سوى السلطة والدماء.. ربما ليقول لنا إنّ السلطة في هذه البلاد لا تحصل إلا بالدماء (أكان يحدث هذا زمن الأشفاط القرطاجيين؟ أم زمن الولاة الرومان؟ أم زمن الرخاء في أية دولة من الدول المتعاقبة على هذه البلاد؟) وربما ليقول لنا إننا شعب دموي جدا، ما يجعلني أفكّر في كل تلك الدول الأخرى التي تحيط بنا وفي تاريخها الذي يخلو من دماء (من روسيا إلى أوروبا الغربية إلى الصين إلى غيرها من البلاد، أين كانت السلطة لا تستدعي الدماء؟) يحاول ربما حسونة المصباحي من خلال استحضاره لكل تلك التواريخ أن يذكرنا بخيباتنا الكثيرة، لسبب لا أفهمه حقيقة، ربما لنكف عن المحاولة مثلا، كما فعل هو، ونكتفي مثله بشتم أمراء الظلام والولولة على البلاد، ورفع صور "أبكي تونس" الفايسبوكيّة من منزل في الحمّامات. لقد كانت الولولة هي كلّما أجاد الكاتب فعله طوال الكتاب. مستعملا خطابا أقرب إلى خطب السياسيّيبن منها إلى خطب الكتّاب والمتمعّنين في التاريخ. مئات الصفحات من النذير والشتم دون تحليل ودون محاولة للفهم، لا تختلف في مضمونها عن كلمات السياسيين التي نسمعها، فما الذي يجعل المرء يقرأ حسونة المصباحي عوض أن يستمع إلى منبر قناة الطاهر بن حسين وغيره ممّن يشتمون الإسلاميين ليلا نهارا؟ ماهذه الإضافة الحاصلة هنا؟ ولماذا دفعت 18 دينارا ثمنا لهذا الكتاب الموبوء؟ يقول الكاتب في ما يقول، إنه ذهب إلى دار في لوس أنجلس تستقبل الفنانين وترعاهم طيلة انقطاعهم لانجاز مشاريعهم الفنية، وبالعودة إلى الإهداء، يبدو أن هذا الكتاب كان أقرب إلى التقرير الذي رفعه إلى أهل هذه الدار، كثمن ربما لإقامته هناك وتمتّعه بتلك المدينة الجميلة، ولئن كان ظنّي هذا فيه من السوء الكثير، فهو سوء لا يضاهي سوء هذا الكتاب، وهو أقرب تفسير لدواعي كتابة شيء كهذا! حين يشكّك جورج أورول في الثورة، يتحفنا بمزرعة الحيوان، وحين يشكك فيها حسونة المصباحي، يكتب لنا شيئا كهذا... كم نحن بائسون!
أثبت لي حسونة المصباحي أنه قلمٌ تونسي بإمتيازحيث عبر على التونسي بكل تحتمله شخصيته من مفارقات،من أمزجة بين الحاظر والماضي،من العديد من
المركبات البسيطة حيناً والمعقدة في أحيانٍ أخرى .
أعجبتني المراوحات الجميلة و النافعة بين حاضر الرواية والماضي القريب والبعيد حيث تنامى عندي إقتناع بضرورة قراءة التاريخ وتمحيصه لفهم الشخصية التونسية المركبة و الثرية .
دفعنتي المقاطع الروائية الممزوجة بعبق التاريخ إلى الإطلاع على بعض الأحداث الفارقة في تاريخ تونس وشجعتني كذلك على خوض غمار الكتب التاريخية.
أشجع كل قارئ عربي لقرائة أعمال هذا الكاتب الماهر و الذكي.
انزعجت أيضاً من إدلاء الكاتب برأيه (بطريقةٍ متهورة) في بعض الموiضيع الشائكة أو بالأحرى إسقاط ما تفعله فئةٌ معينة على بقية الفئات، حيث تدفع المجموعة ثمن ما تفعله فئةٌ شاذةٌ منها.
كما اعجبت أيضا بصراحة الرجل و واقعيته في موضوع `الثورة` وتسليطه الضوء على ردات الفعل التي تصاحب قيام ثورةٍ في مجتمعٍ جاف سياسياً.
بالنسبة لي يمتلك حسونة إنتاج أدبي بسيطٍ في مظهره ،سهل في لغته،عميق في معانيه...
أشواك و ياسمين بانوراما تاريخية في شكل سيرة ذاتية للكاتب حسونة المصباحي إبّان ثورة 14 جانفي 2011، أخذنا من خلالها لعالمه الخاص محاولا تسليط الضوء عن أسباب و تداعيات ثورة الياسمين عبر الرجوع إلى أحداث تاريخية عرفتها تونس في مختلف الفترات. وقد رواح الكاتب بين الخاص من خلال سرد لفصول من حياته و بين العام من خلال الرجوع بالقارئ لفصول تاريخية شبيهة بما نعيشه هاته الفترة.
أشواك و ياسمين تأكيد لقول بن خلدون : "إن التاريخ في ظاهره لا يزيد عن الإخبار و في باطنه نظر و تحقيق" .