شتاء الحكايات عالم من السرد يتكئ على التدفق اليومي للحياة، ترصد الكاتبة فيه تفاصيل تلك الحياة وما تطرحه تقلباتها من مشاكل وقضايا صغيرة وكبيرة، خاصة وعامة، يعيشها المجتمع الإماراتي في راهنه، وتتنقل بين كل تلك المواضيع عبر سردها المنسوج من فسيفساء الواقع الذي تعيشه بكيانها، وترصده بعينها، وتحلله بذهنها، والمتعلق بقضايا المعيشة والمشاكل الاجتماعية وفلسفة الحياة، وزوايا النظر التي ينظر كل شخص منها إلى تلك الحياة . الكتاب مجموعة مقالات نشرت خلال السنوات الأخيرة، ويضم ثمانية وخمسين مقالاً . تقوم الكاتبة خلال مقالاتها بوظيفة الراصد اليومي الذي يراقب ما يجري في الأعماق ويخرج منه كل يوم بفكرة يحللها ويقدم رأيه فيها، لكنّ التحليل عند عائشة سلطان ليس ذلك التحليل المثقل بالمنطق والبراهين التي يكد ذهن القارئ العادي في تتبعها، بل هو تحليل تمثيلي يعتمد على الحكاية والطرفة، والتقاطات مشاهد الواقع اليومية، لذلك يبدو نصها حميمياً وقريباً، وتفوح منه رائحة الحكاية بمجرد النظر إلى عنوانه، فنقرأ من عناوينها شتاء الحكايات، أسباب غير مقنعة للكتابة، تفاصيل صغيرة، الحب في عيون بريئة، إلى أبي، الصرخة، مدينة الملائكة، تحت شرفة جولييت، نهاية طالبة جميلة وغيرها . مقالات الكتاب مشغولة بالسرد من أشياء الحياة الأصيلة لمجتمع الإمارات وذكريات الزمن الماضي، من حكايات الناس الذين عايشتهم الكاتبة في صغرها، وسمعت منهم عن تفاصيل ذلك، ومن حكايات جدتها وأمها التي لا تغادر الذاكرة .
حين أشرف على الانتهاء من قراءة رواية جميلة يصيبني شئ من الزعل كأنني كنت برفقة أشخاص طيبين سيغادروني للأبد, يا إلهي كيف يستطيع الروائي أن يجترح هذه المعجزة
هكذا وصفت عائشة سلطان مشاعرها عند انتهائها من قراءة كل رواية تنتهي منها, سكنت هذه العبارة لاوعيي فأصابني نفس الشعور عند انتهائي من قراءة مجموعة المقالات عائشة سطان كاتبة مرهفة الاحساس أقرب أن تكون شاعرة, تزور تفاصيل ذاكرتها الغنية بخجل في كل مرة يعيد لها المطر لوحة فنية قد رسمت فالذاكرة, تراقب أدق تفاصيل الحياة وتستمتع بنغمها كأنها معزوفة موسيقية تبقى حاضرة في وجدانها لتعيد سردها لنا على شكل لوحات فنية تمام كما تلك التي تزين جدران متاحف أعرق المدن العالمية القراءة والمطر, شيئان أبتدأت بهما الكتاب وختمته مطرا, المطر الذي يأتي بلا موعد ليغير ويجدد نفوس الامس ويرسم صورا وروائح وأصوات تروي القلوب, تتغزل به وتقول "سأظل أنتظر المطر في كل شتاء وأتذكر خيمة جدتي حين كنا صغارا وكان المطر يبللها
"إنها الذاكرة حين تخوننا وحين تباغتنا، تؤلمنا في الحالتين"
عائشة سلطان من الأقلام الإماراتية الفذّة والتي أفتخر بها كثيراً. كتاباتها تلقي بك في ممرات الذاكرة المنسية، الذاكرة المُتناسية عمداً، الذاكرة العبقة بتفاصيل البحر والبشر والدكاكين القديمة والمقاهي الأوروربية الصغيرة والممرات المرصوفة بالحكايات. تشعر بالأصالة والصدق والوفاء والهدوء والبذخ والحزن والألم.. تشعر بالكثير عندما تقرأ مقالا قد لا يتجاوز صفحتين ونصف! بعض المقالات فيها تكثيف عجيب للمشاعر والأماكن تُشعرك بالرضى التام عن عمق ما شعرت به للتو وأنت تقرأ.
قرأت الكتاب في فترتين متباعدتين، بداية السنة ونهايتها، كنت قد قررت قراءة مقالين أو ثلاثة كاستراحة بعد قراءة بعض الكتب، لكنني لم أستطع مفارقة الكتاب عندما أمسكته في المرة الثانية.