"...حان دوري لأكتشف أن المرء قد يعمى عن رؤية ما في متناول يده إن أصر على التحديق نحو الأفق، سوء الحظ يلازمني دون شك، لكن بإمكاني أن أبقيه منشغلا بتخريب فرصي الذهبية بينما ألتفت سرا إلى أخرى بلا بريق، مع ذلك تنعشني و ترويني... أستطيع أن أعترف الآن –مقتنعا- و أنا أشتمّ ريحك و استشعر أطياف لمستك في كل ما يحيط بي ...بأنني سعيد ..." إنها ليست رواية رومانسية بالمعنى المعروف، هي حكاية عن الإنسان، عن سطوة الزمن و عن الأقدار المرسومة في غفلة منا
ارتأيت أن أكتب لك ما جال في خاطري اثناء قراءة رواية دعيني أحبك .. ربما سيبدو كلامي متقطعا , متذبذب بين عشق وكره , بين غضب وفرح , بين صراع واستسلام , هكذا ربما أصف دعيني أحبك , بدئا من اسمها المتذبذب ..فدعيني ..تلك الكلمة التوسلية التي رماها جرير يوما ..والتي لم تلقى من يحمل ثقلها ..فكأنه يهمس لقلبه ..يهمس لتلك الأيام السوداء الحالكة , الجحيمية التي يمر بها جرير ..من نكران ذات لحياته , لعائلته , لقلبه , لقلمه , لهويته ..وأيضا لوطنه , ثم ماذا عن كلمة أحبك ..وهل استطاع جرير تحمل معنى الكلمة ؟..هل أحب منى بالفعل ..؟! جرير المهمل , الشرس ..لما علي أن أوصفه بينما أبدعت مريومه بوصفه تماما , بل هو لايحتاج للوصف من أفكاره المشمئزة اللاهية ..من غروره الذاتي , وثقته العالية بالنفس ..هو مغرور أجل , مغرور بوصفه لوسامته , بأمتلاكه موهبة , بتمكنه الشديد من كره كل شيء من حوله , هو الشخصية الأكثر غرور في الرواية ..وما نتيجة الغرور إلا السقوط ..بل إنه قدره الأوحد ..سقوطه الشديد ..حينما تعرف بمنى ..! لن اتحدث كثيرا عن منى ..ربما لأنك لم تصفيها إلا حينما أردت أن تصفيها , جعلت منها حكاية غامضة ..ابتدائا من كونها بكماء , من عيشها بمفردها , من مصادفاتها اللحظية بجرير , كانت هي الغامضة في الرواية كلها ..كنت بخيلة يامريومة بوصفها الكلي ..بل إنك تركت لنا السبر إلى أغوارها كما يفعل جرير ..من سؤاله عن سبب فقدانها للنطق , وصولا إلى تفاديها الكلي بلقاء جرير ..لم أكد أفهمها ..بل إني أحترت معها كما أحتار جرير , وربما شككت للحظة أن تكون مريضة بالفعل وهي على اعتاب الموت ..ولكني انشغلت بثورة جرير عليها , بحنقه ..بكلماته الملتهبة , أتصدقين إنها اوجعت قلبي ..فكيف بقلب منى الرقيق ؟.. هناك لحظات في الرواية جعلتني أشعر وكأني أقرأها بروح ..بعاطفة تامة ..مثل حينما استمع جرير إلى صوتها لأول مرة , لقد تخيلت بأني اسمعها معه بل إني وضعت مكاني بدلا عن منى , وشعرت بكل احاسيسها الناطقة , بكل كلماتها الباكية , بكل امنياتها التي ستهدر عنوة ..وحينما قالت باكية ( الآن وفي هذه اللحظى أريد الكثير ..أود لصوتي أن يمثل كل الأدوار وأن يتقمص كل النبرات قبل أن يغادرني بلا عودة , أريد أن استرسل في الحديث , أن اضحك ..أن ابكي وأن اصرخ ..أن أغني ..أريد ان اقول كل الكلمات في هذا الكون ...) احسست بها ..فعلا وقد ضحكت وبكيت وأشفقت عليها , اشفقت على ضياع جزء منها ..ما أصعب أن نكون تافهين بمشاعرنا ..نظنها إنها الأسوء في الحياة ..وننسى إن هناك من يعاني حقا من فقدان جزء من كينونته ..جزء من كونه انسان سوي .. في الحقيقة ابهرتني جداا في كلماتها تلك يا مريومة .. بالنسبة لما ذكرت عن عائلة جرير وجدت إن الأمر سريع ومتقطع وكانك وضعت عائلته لتوضحي فقط لما هو على هذه الشاكلة البائسة , حتى شجاره مع شقيقته لم استسغه كثيرا وظننت بأن هناك لقائات أخرى مع عائلته ولكن حتى نهاية القصة لم تذكري إلا النذير . اكثر الأمور التي توقفت عليها هي سرعة كتابة منى على الورق بالنسبة لحجم الكلام الذي تقوله وأنت اثناء ذلك لا توضحي بعبارة مثلا ( واخذت تكتب ) بل يبدو الحوار مع جرير متكامل بحيث إني انسى إنها بكماء كليا وإنها غير الممكن أن تقول كل ذلك بل تكتبه حرفيا . هذه من ضمن ملاحظاتي على الرواية كلها . وقوع جرير في الحب جعله يبدو كرجل شرقي متملك ببحت من فرضه العشق على منى , الى مراقبتها ومحاولة التحكم بها , وشعوره بالغيرة من كل رجل يتقرب منها , وقد أجدت وصف تملكه هذا بل جعلتيني أشعر بكل مشاعرة المؤرقة , من حقه ان يعشق وأن يتملك فهو رجل , وشرقي أيضا ..ومحبوبته كما يصفها بالملاك , وهو بالرغم من كونه اخطأ بحقها حين جعلها بطلة روايته دون أن يخبرها بالأمر ولكنه حاول أن يمحو خطأه . لم أتخيل قط أن تمتلك منى ذلك الجبروت المتمثل بالمكابرة ..لقد كابرت ..وتحلت بشجاعة وقسوة لم أظن أي فتاة تمتلكها , فنحن سننهار منذ اول اشاره للحب , وأن كانت على اعتاب الموت فهي بالتالي ستكون فتاة حساسة , ولكنك يامريومة خدعتنا كليا , حينما سقطت على الأرض تبكي وتعانق ساقي جرير شعرت بمبلغ مأساتها ومما توضح فيما بعد سبب لتصرفها هذا فهالها ماشعرت في تلك اللحظة , لأول مرة أرى فتاة ( بطلة ) تعاني وتتألم وتظهر المها ولكنها لا تخبرنا بالسبب ..وهذا تبعا لكونها اجدت يامريومة في غموض بطلتك منى ,. الأمل .. ماذا علي أن اقول بشأن هذه الكلمة ..حينما أدرك جرير إنه قريب تماما من محبوبته بدأت أنا بدوري تحضير سيناريو متخيل عن لقائهما التالي بعد أن امسى جرير شبه متأكد من عشق محبوبته له اثر الكلمتين اللذين اردفتهما في روايته ( منحته قلبي ) ..حينما قرأت ذلك شعرت بأن بطلنا سيجد مرساته أخيرا ..وسرعان ماسيتجدد حبه لها ويزدهر ..بل وسيعوض منى عن كل مافاتها من مأساة حتى حل اللقاء اخيرا وياله من لقاء دامي , لم استطع أن اتنفس حتى اثناء حوارهما ..بل جدالهما ..وقسوة الكلمات التي دارت بينهما حتى النهاية .. خير لك أن تخرسي أنا خرساء حتى العظم . جملتين توقفت عندهما طويلا ..لقد سرقت قلبي بذكرهما ياميمو ..! كان لقاء قاسي بكل معانيه ..رباه لو إني كتبته لأغرقت في بكاء مرير ولتوقفت عن الكتابة لمدة طويلة صمتا على مأساة وداعهما ..!. ما تبقى من ذلك لم يعد له معنى ..فقد ماتت منى ..وتلاشى كل شيء ..رسالتها ..كانت تعبر عنها عن انانية حبها ..عن تملكها لشجاعة فاقت كل شيء , ما اقساك يامنى ..وما أقسى عذوبة كلماتك وحبك ..وما أقسى حياتك المريرة . علي أن اختتم حديثي عنها , رغم إنها كانت الأساس لكثير من الأحداث التي مرت بجرير ولكني ببساطة لم تعد تأبهني بشيء , حتى أنت ..شعرت بك تسرعين بالأحداث فقط لتخبرينا بأن جرير سيجد حياته يوما ما , وبأن موت منى ربما كان المحرك لتغييرات جذرية في حياته ..ولكنها سريعة بمرور سنوات ..سريعة بمقتطفات مذكراته ..كان جرير أخر جرير ثان تماما . في النهاية سأتحدث عن الوصف ..استخدمت عبارات مذهلة خاصة في وصف حياته , تتمتعين بأسلوب ممتع يا ميمو وسأميزه من بين جميع الكتابات وقد أخبرتك بذلك من قبل انا الأن سأقرأ الرواية مرة ثانية , وهذه المرة سأقرأها مستلذة بكل كلمة , فالمرة الأولى قرأتها لأعرف الأحداث بعد أن سلبتني انفاسي .. في الحقيقة ...دعيني أحبك رائعة بكل المقاييس ..أغتلت املي ياميمو في نهايتها , لاتهمني احداث جرير بعد ذلك , توقف قلبي على كلمات جرير بعد أن قرأ الرسالة ..( أنا ما أزال بخير ) ..( ما أزال بخير ) . وفي ذلك وصفت مشاعر انسان ..انهار تحت وطأة الحياة القاسية ..تحت فظاعة الموت ..وهو شعور مقارب لكل انسان مصدوم ..وتقريبا ..مررت به أنا بالظبط ..! طاب مساؤك ياعذبة .. دعيني أعيد قراءتها ..فلعلي أغفو تحت سحر كلماتك ..وعذوبة حرفك .. احبك .. صديقتك في الأدب ..أيناس الشمري